على أثر النفرة التي حصلت في زيارة الأربعين عام الثمانية والأربعين والثلاث مائة بعد الألف وامتناع مواكب النجف عن الحضور في كربلاء كسيرتها الأولى الأمر الذي أحدث فتقاً واسعاً وانشقاقاً لا يستهان به بين الأخوين المتجاورين ، والعتبتين المقدستين ، أما الروحانيون فحيث أنهم في مقام هو أرفع من أن تؤثر عليه تلك الحوادث الموهنة والحزازات الشانئة ، لذلك قياماً بمراسيمهم الدينية حضروا زيارة الأربعين في كربلاء هذا العام وكان في مقدمتهم الشيخ العلامة المصلح الأكبر حجة الإسلام ( الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ) واتفق حضوره قبل زيارة الأربعين بيومين عند بعض الزعماء من رؤساء القبائل في دار له في كربلاء يقام فيها مأتم لعزاء الحسين ( ع ) ، والمجلس غاص بأهله ، فالتمس بعض وجهاء كربلاء وأشرافها من حضرته أن يرقى المنبر ويلقي بعض النصائح والكلمات التي تبعث على تقارب الفئتين ، وإصلاح ذات البين ، وبعد إلحاح الراغبين أجاب التماسهم ورقى المنبر وألقى - هذه الخطبة ارتجالًا - من دون إعداد فكر ولا سابق روية فقال : بعد الحمد والصلاة ، خير ما يفتتح به الكلام كلام الله المجيد قال سبحانه
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
نحن بما أننا إسلام نعتقد أن هذا هو كلام الله ووحيه المبين ، ونحن عرب أيضاً ونفهم ظواهر الكلام أيضاً على الأقل فنقول : أن هذه الآية الشريفة تدل صراحة على أن البلاد التي أهلها مصلحون أو فيهم مصلحون لا تهلك ، والبلاد الخالية من المصلحين لا محالة هالكة ، ومعاذ الله ولا سمح الله نخشى أن تكون هذه الآية قد انطبقت علينا ، وبما أن النجاة بوجود المصلح والهلاك بعدمه ، فيا ترى هل عندنا مصلحون حتى نأمل النجاة ، أو أن البلاد خالية من المصلح فيستحق الهلكة . أما كلمة العذاب والهلكة فقد حقت علينا - فإن الحال الذي نحن فيه هو عين الهلاك والبوار ، ليست الهلكة هي الموت بل ( رب عيش أخف من الحمام ) أفليس الموت أطيب من هذه الحياة التي نحن فيها ؟ أسراء أذلاء مشتتين فقراء لا نملك من أمرنا شيئاً ، ولا نستطيع لأنفسنا نفعاً ، ولا ندفع عنها ضراً . فقر مدقع ، ذل مهلك ، عجز مفرط ، شقاء وتعاسة ، هذا لعمرك هو الهلاك بعينه ، والموت المخزي بذاته ، وما سبب كل ذلك أن لا تشتت الكلمة ، واختلاف الآراء والتنابذ والتقاطع فيما بيننا ، وما كل ذلك إلا بسبب عدم وجود المصلح ، نعم يوجد الصالح فينا