تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دايرة المعارف النجفية — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
لا تقبل الجدل والشك ، وهكذا كلمة ( واحدة الوجود ) بل كلمة طبيعة من الطبائع وحقيقة من الحقائق هي واحدة بالنظر إلى ذاتها مجردة عن جميع اللواحق والعوارض مثلًا لا ريب أن طبيعة الماء من حيث هي واحدة لا تقبل التعدد والكثرة أبداً وإنما الكثرة والتعدد يلحقان بها من حيث عوارض الزمان والمكان والنسب والإضافات كماء البحر وماء المطر وماء البئر والماء المالح والماء المر وهكذا جاء الاختلاف والتعدد من تلك العوارض وإلا فالحقيقة واحدة والعوارض مختلفة وهكذا حقيقة الوجود فإنها واحدة فوجود زيد ووجود عمر بالنظر إلى نفس الحقيقة واحد وإنما الاختلاف بالإضافة والنسب والحدود والقيود وهذا بناء على ما هو الحق من أصالة الوجود واعتبار الماهية وهذا المعنى حق لا ريب فيه وإليه الإشارة بقول الحكماء والفلاسفة ( أن حقيقة الشيء لا تثنى ولا تتكرر ) ولكن هذا المعنى الراهن ليس مراد المتصوفة والعرفاء مثل محي الدين الأعرابي وصدر دائرته ( صدر الدين القونري ) وسلاسلهم التي لا تزال إلى اليوم بل مرادهم أن الموجودات كلها حقيقة واحدة وهذا الاختلاف والتعدد إنما هو اختلاف المظاهر لتلك الحقيقة فهي كالبحر والمظاهر كالأمواج وليست الأمواج إلّا مظاهر البحر وتطوراته وأشكاله ولا حقيقة لها سوى البحر فليس عندهم في العين والخارج سوى حقيقة الحق جل شأنه . والإفلات والأملاك والإنسان والحيوان والجماد والنبات وكل موجود إنما هي مظاهر ذاته ومراتب أسمائه وصفاته وعلى هذا يحمل ما في كلمات بعض أكابرهم من الشطحات مثل قول الحلاج ( ما في جبتي إلا الحق ) . وإليه أشار العارف القائل :
سبحان من أظهر ناسوته * سر سنا لاهوته التائب ثم بدا في خلقه بارزا * في صورة الأكل والشارب
وأبلغ من وفّى هذه النظرية وأعطاها حقها من البلاغة في البيان من عرفاء الفرس محمود الشبستري في كتابه المشهور ب - ( كلشن راز ) الذي يقول فيه مشيراً إلى تلك النظرية : وقد تلطف الشاعر العربي في التعبير عن ذلك السر الخفي بقوله :
جمالك في كل الحقائق سائر * وليس له إلا جلالك ساتر
دايرة المعارف النجفية — صفحة 64 | الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء