دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجل من التجار ، وهم يقتسمون ماله ويريدون قتله . فلما رأى الرجل ذلك خاف على نفسه ومضى نحو القرية . فأسند ظهره على حائط من حيطانها ليستريح مما حل به من الهول والأعباء ، إذ سقط الحائط عليه فمات . قال التاجر : صدقت ، قد بلغني هذا الحديث . وأما الثور فإنه خلص من مكانه وانبعث ، فلم يزل في مرج مخصب كثير الماء والكلأ . فلما سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار . وكان قريبا منه أجمة فيها أسد عظيم . وهو ملك تلك الناحية ، ومعه سباع كثيرة وذئاب وبنات آوى وثعالب وفهود ونمور . وكان هذا الأسد منفردا برأيه دون أخذ برأي أحد من أصحابه . فلما سمع خوار الثور ولم يكن رأى ثورا قط ولا سمع خواره ، خامره منه هيبة وخشية ، وكره أن يشعر بذلك جنده . فكان مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط ، بل يؤتى برزقه كل يوم على يد جنده . وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال لأحدهما ( كليلة ) والآخر ( دمنة ) . وكانا ذوي دهاء وعلم وأدب . فقال دمنة لأخيه كليلة : يا أخي ما شأن الأسد مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط ؟ قال له كليلة : ما شأنك أنت والمسألة عن هذا ؟ نحن على باب ملكنا آخذين بما أحبّ وتاركين ما يكره . ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهلها كلام الملوك والنظر في أمورهم . فأمسك عن هذا . واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه أصابه ما أصاب القرد من النجار . قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟ قال كليلة : زعموا أن قردا رأى نجارا يشقّ خشبة بين وتدين وهو راكب عليها . فأعجبه ذلك . ثم إن النجار ذهب لبعض شأنه . فقام القرد وكلف ما ليس من شغله ، فركب الخشبة وجعل ظهره قبل الوتد ، ووجهه قبل الخشبة ، فتدلّى ذنبه في الشق ، ونزع الوتد فلزم الشق عليه فخرّ مغشيا عليه من الألم . ثم إن النجار وافاه فرآه على تلك الحالة ، فأقبل عليه يضربه ، فكان ما لقي من النجار أشد مما أصابه من الخشبة . قال دمنة : قد سمعت ما ذكرت ، وليس كل من يدنو من الملوك يقدر على صحبتهم ويفوز بقربهم . ولكن أعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه . فإن البطن محشى لكل شيء . وإنما يدنو منهم ليسرّ الصديق ويكبت العدو . وإن من الناس من لا مروءة له ، وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون ، كالكلب الذي يصيب عظما يابسا فيفرح به . وأما أهل الفضل والمروءة فلا
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 88
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص٨٨