يقنعهم القليل ولا يرضون به دون أن تسمو بهم نفوسهم إلى ما هم أهل له وهو أيضا لهم أهل ، كالأسد الذي يفترس الأرنب ، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير . ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه حتى ترمى له الكسرة من الخبز فتقنعه وترضيه منك . وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدّم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح وجهه ويتملّق له . فمن عاش ذا مال وكان ذا فضل وإفضال على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر . ومن كان في عيشه ضيق وقلة وإمساك على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه . ومن عمل لبطنه وشهوته وقنع وترك ما سوى ذلك عدّ من البهائم . قال كليلة : قد عرفت مقالتك ، فراجع عقلك ، واعلم أن لكل إنسان منزلة وقدرا ، فإذا كان في منزلته التي هو فيها متماسك الحال في طبقته كان حقيقا أن يقنع . وليس من المنزلة ما يحط حالنا التي نحن عليها . قال دمنة : إن المنازل متنازعة مشتركة على قدر المروءة . فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة . ومن لا مروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة . والارتفاع من صغر المنازل إلى أشرفها شديد . ومؤونة الانحطاط من الشرف إلى الضعة هيّن ، كالحجر الثقيل ، رفعه من الأرض إلى العاتق عسير ، وطرحه إلى الأرض هيّن . فنحن إخوان نروم ما فوقنا من المنازل . وطاقتنا أن نلتمس ذلك بمروءتنا . ثم كيف نقنع بها ونحن نستطيع التحول عنها ؟ قال كليلة : فما الذي أنت فيه الآن مجمع ؟ قال دمنة : أريد أن أتعرض للأسد عند هذه الفرصة ، فإن الأسد قد ظهر لي أنه ضعيف الرأي ، وقد التبس عليه وعلى جنوده أمرهم . ولعلي على هذه الحال أدنو منه بنصيحة فأصيب عنده منزلة وجاها . قال كليلة : وما يدريك أن الأسد قد التبس عليه أمره ؟ قال دمنة : بالحسّ والرأي أعلم ذلك منه . فإن الرجل ذا الرأي يعرف حال صاحبه وباطن أمره بما يظهر من دلّه وشكله . قال كليلة : فكيف ترجو المنزلة عند الأسد ولست بصاحب السلطان ، ولا لك علم بخدمة السلاطين ) قال دمنة : الرجل الشديد القوي لا يعجزه الحمل الثقيل وإن لم تكن عادته الحمل ، والرجل الضعيف لا يستقل به وإن كان ذلك من صناعته . قال كليلة : فإن السلطان لا يتوخى بكرامته أفضل من بحضرته ولكنه يؤثر بذلك من دنا منه . ويقال إن مثل السلطان في ذلك مثل شجر الكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر .
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 89
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص٨٩