وحياء وصبر وأمانة لا ترفع عنده الأصوات ولا تؤبّن فيه الحرم ، ولا تثني لفتاته معادلين متفاضلون فيه بالتقوى متواضعون يؤقرون الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون ذوي الحاجة ويحفظون الغريب . وكان ( ص ) دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحاش ولا عيّاب ولا مزّاح يتغافل عما لا يشتهي ولا ييأس ولا يخيب فيه مؤمله قد تزكّى من ثلاث : المراء والإكثار وما لا يعنيه وتزكى الناس نفسه من ثلاث . كان لا يذم أحدا ولا يعيّره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرتجى ثوابه . إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده ، إن تكلم أنصتوا له حتى يفرغ . حديثهم عنده حديث أوليتهم ، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على الغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى إن كان أصحابه يستجلبون بهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب حاجة فأرشدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يحوزه . وكان سكوته على أربع : الحلم والحذر والتقدير والتفكر . فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ففي ما يفنى ويبقى وجمع له الحلم في الصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه ، وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به وتركه القبيح لينتهى عنه واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته والقيام فيما جمع له من خيري الدنيا والآخرة . خدمه أنس بن مالك عشر سنين إلى أن توفاه الله تعالى ، فما قال لشيء فعله لم فعلته ؟ ولا لشيء لم يفعله لم لم أفعله ؟ ما عاب طعاما . كان إذا اشتهاه أكله وإن لم يشتهيه تركه . كان يقول في السرّاء : الحمد لله المنعم المتفضل . وكان يقول في الضراء : الحمد لله على كل حال . كان يذكر الله على كل أحيانه . كان يسلّم على العبيد والإماء والصبيان . كان يمازح الصغير ويلاعب الوليد . ويمازح العجوز ولا يقول إلا حقا . كان رؤوفا رحيما لينا هينا شفيقا رفيقا لطيفا سؤسا . كان ( ص ) أجلّ وأعظم من أن يحيط ناعت بوصفه ولكن ما وصفه إلا بقدر ما ظهر له منه ( ص ) . . . بعث إلى الناس كافة وأحلّت له الغنائم ونصر بالرعب مسيرة شهر وأوتي جوامع الكلم . وجعلت له الأرض مسجدا وجعل التراب له طهورا ما لم يجد الماء . وأعطي مفاتيح خزائن الأرض وأعطي فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة وأعطي افتتاح الشفاعة . . . قال أبو
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 144
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص١٤٤