بحيث يسمع ويرى . فما حفل بي ، ولا أظنه أبه لما أقول . فغبرت برهة نحو عشرة أيام من أيام الفانية ، ثم عملت أبياتا في وزن : بان الخليط ولو طووعت ما بانا وقطّعوا من حبال الفصل أقرانا . ووسمتها برضوان ، ثم دنوت منه ففعلت كفعلي الأول ، فكأني أحرك ثبيرا وألتمس من الغضرم عبيرا . فلم أزل أتتبع الَأوزان التي يمكن أن يوسم بها رضوان حتى أفنيتها . وأنا لا أجد عنده مغوثة ، ولا ظننته فهم ما أقول . فلما استقصيت الغرض فما أنجحت ، دعوت بأعلى صوتي : يا رضوان يا أمين الجبّار الأعظم على الفراديس ألم تسمع ندائي بك واستغاثتي إليك ؟ فقال : لقد سمعتك تذكر رضوان وما علمت ما مقصدك ، فما الذي تطلب أيها المسكين ؟ فأقول : أنا رجل لا صبر لي على اللواب ، وقد استطلت مدة الحساب ، ومعي صكّ بالتوبة ، وهي للذنوب كلها ماحية ، وقد مدحتك بأشعار كثيرة ووسمتها باسمك . فقال : وما الأشعار ؟ فإني لم أسمع بهذه الكلمة قط إلا الساعة . فقلت : الأشعار جمع شعر ، والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط ، إن زاد أو نقص أبانه الحس . وكان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات ، فجئت بشئ منه إليك لعلك تأذن لي بالدخول إلى الجنة في هذا الباب . فقد استطلت ما الناس فيه ، وأنا ضعيف منين ولا ريب أني ممن يرجو المغفرة ، وتصح له بمشيئة الله تعالى . فقال : إنك لغبين الرأي ! أتأمل أن آذن لك بغير إذن من رب العزّة ؟ هيهات هيهات !
( وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ )
( سبأ : 2 ) . فتركته وانصرفت بأملي إلى خازن آخر يقال له زفر ، فعملت كلمة ووسمتها باسمه في وزن قول لبيد : تهنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر . وقربت منه فأنشدتها ، فكأني إنما أخاطب ركودا صمّاء لأستنزل أبودا عصماء . ولم أترك وزنا مقيّدا ولا مطلقا يجوز أن يوسم بزفر إلا وسمته به . فما نجع ولا غيّر . فقلت : رحمك الله ! كنا في الدار الذاهبة نتقرب إلى الرئيس والملك بالبيتين أو الثلاثة ، فنجد عنده ما نحب ، وقد نظمت فيك ما لو جمع لكان ديوانا ، وكأنك ما سمعت لي زجمة . فقال : لا أشعر بالذي حممت ، وأحسب هذا الذي تجيبني به قرآن إبليس المارد ، ولا ينفق على الملائكة ، إنما هو للجانّ وعلّموه ولد آدم ، فما بغيتك ؟ فذكرت له ما أريد . فقال : والله ما أقدر لك على نفع ولا أملك لخلق من شفع فمن أي الأمم أنت ؟ فقلت :