تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وأنا مورد في هذا الباب ذكر محاسنه ومقابحه وما يرتضي وما يستهجن من مذاهبه في الشعر وطرائقه وتفصيل الكلام في نقد شعره والتنبيه على عيونه وعيوبه والإشارة إلى غروره وعرره وترتيب المختار من قلائده وبدائعه بعد الأخذ بطرف من طرق أخباره ومتصرفات أحواله وما تكثر فوائده وتحلو ثمرته . ويتميز هذا الباب به عن سائر أبواب الكتاب كتميزه عن أصحابها بلو الشأن في شعر الزمان والقبول التام عند أكثر الخاص والعام . ذكرت الرواة أنه ولد بالكوفة في كندة سنة ثلاث وثلاثمائة وأن أباه سافر إلى بلاد الشام ، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها ومن مدرها إلى وبرها ، ويسلمه في المكاتب ويردده في القبائل ومخايله نواطق الحسنى عنه وضوامن النجح فيه حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع وبلغ من سنه والغضاضة من عوده وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والي البلدة ورفع إليه ما هم به من الخروج ، فأمر بحبسه وتقييده . . . ويحكى أنه تنبأ في صباه وفتن شرذمة بقوة أدبه وحسن كلامه ، وما زال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه وتضاعفت عقود عمره يدور حب الولاية والرياسة في رأسه ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه في الخروج على السلطان والاستظهار بالشجعان والاستيلاء على بعض الأطراف . . . . وكان كثيرا ما يتجشم أسفارا بعيدة أبعد من آماله ويمشي في مناكب الأرض ويطدي المناهل والمراحل ولا زاد إلا من ضرب الحراب على صفحة المحراب ولا مطية إلا الخف والنعل . . . وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب ويصطاد ما بين الكركي والعندليب . . . قال ابن جني وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي وهو شيخ كان بحضرته ظريف قال له وحسد المتنبي على ما أمر به : يا مولاي قد فعلت به كل شيء سألكه ، فهلا قلت له لما قال لك هش بش : هه هه هه يكي الضحك . فضحك سيف الدولة فقال له : ولك أيضا ما تحب ، وأمر له بصلة . . . ثم إن أبا الطيب المتنبي اتخذ الليل جملًا وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل بن العميد مراغما للمهلبي الوزير ، فورد أرجان وأحمد مورده ، فيحكى أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان ، وهو إذ ذاك شاب وحاله حويلة . لو يكن استوزر بعد ، وكتب إليه يلاطفه في استدعائه وتضمن له مشاطرته جميع ماله ، فلم يقم له المتنبي وزنا