تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
يبدو أنّ حسهم الشعبي كان يؤازرهم في تماسهم مع مختلف المشكلات والقضايا ، وتحسسهم لها ، وإدراكهم وفهمهم لأبعادها ، لعلهم كانوا قد أدركوا ومن خلال أهاجيهم أن هذا الفن كفن إعلامي إلى حد كبير ، يتيح لهم أن يطرحوا رؤيتهم الهازلة ، لا سيما أنّ بعضهم كانوا جادّين في صورهم المستندة إلى السخرية ، من أجل الكشف عن الحقائق تحت ستار الهزل . وكان هجاؤهم الكاريكاتوري يعرّي ويفضح الكذب ويمزّق الأقنعة ، إلا أننا في بعض الأحايين نجد بعض الصور التي كانوا يعوّلون ويركّزون فيها على إبراز الملامح المميزة للوجوه فقط صارفين النظر عن جوهر الشخصيات ، ولذا يغيب عنصر النقد الكاريكاتوري فيها . فالهجاء الكاريكاتوري نشاط موجه هادف للتأثير على سلوك الناس وأفكارهم من خلال رسم الصور الساخرة التي تبرز الحدث وتبدي الرأي بهدف تزويد القراء والسامعين بالمعلومات التي تكمن في تلافيف هذه الصور ، وهو على درجة من الأهمية لدى الحكم والأحزاب والناس لإصابة أهداف مرسومة . وعلى هذا كان له وظيفة إعلامية في ذاك العهد ، حيث إنّ الإعلام هو نشر الوقائع والآراء في صيغة مناسبة بواسطة ألفاظ أو أصوات أو صور وبصفة عامة بواسطة جميع العلامات التي يفهمها الجمهور ( أنظر : أحدادان 43 ) . فلا نغلو في قولنا : إنّ الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي كان بمثابة الصحافة في يومنا الحاضر التي ترسم فيها مئات الرسوم الكاريكاتورية التي يطغى عليها الالتزام بكل قضايا عصرنا من الظلم الاجتماعي ، وانتقاد المسؤولين ، وقضايا السلام والحرية والديمقراطية ، وقضايا التربية والتعليم ، وقضايا الانتخابات ، ومئات من القضايا التي يحاول الكاريكاتوريون برسمها أن يساهموا في مقاربة المعاناة والسقطات وكل المشاكل التي يتخبط فيها الإنسان . فخطوطهم البسيطة تحمل عمقا وغوصا في المجتمع بهدف تعرية الحقيقة وإظهارها من أجل الإصلاح والتقويم . فلهذا علينا أن لا نتجاهل الدور الهام الذي قد لعبه الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي كدور الكاريكاتور في يومنا هذا في ترسيخ عقيدة أصحابه في الممارسة الفكرية والإعلامية ، حيث تتحرر هذه الصور الهجائية في كثير من الأحايين من قيود المنظور ومن قيود الواقع المادي في تصوير فكرة ما ، تتراوح بين مجرد فكاهة إلى تعليق اجتماعي أو