تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
سياسي ، وتعتمد على الطرافة والمبالغة وإثارة الناس إلى التفاعل معها ، ولذلك كان الناس يميلون إلى تصديقها أو الاستجابة لها ، وقد يقتنعون بوجهة نظر الشاعر الكاريكاتوري دون مناقشة . والحقيقة التي لابدّ أن ننتبه إليها في التزام الشعراء الكاريكاتوريين ، هي أنّ ما كانوا يعبرون عنه من خلال التزامهم ، لا يقتصر على أنفسهم فحسب ، وإنما يعتبر دعوة أبناء مجتمعهم في الانضمام إلى حركة الشاعر ساخطين على الأوضاع سخطه ومتمردين تمرده . كما أنّ التزامهم لا ينحصر في تصوير الأوضاع السياسية والاجتماعية قولا فقط ، بل ربطوا القول بالعمل وضحوا في سبيل غاياتهم . فالصور الكاريكاتورية في الهجاء العباسي هي الشعراء الكاريكاتوريون بعمق أحاسيسهم ، وسعة خيالهم ، ورحابة تفكيرهم ، وقوّة أدائهم ، وسبك أساليبهم ، وجزالة ألفاظهم ، وتلاحم نظمهم ، وجودة تآليفهم ، وحدة نفوسهم ، وثورة وجدانهم ، وفيضان مشاعرهم ، وتمرد أرواحهم ، وعنف حركاتهم ، ورفضهم لوضعهم ، وتفاعلهم مع تجربتهم ، وهذا ماثل في ما توارد في أهاجيهم الساخرة التي تمتلئ بعاطفة الغضب والبغض . فإن الهجاء الكاريكاتوري لم يكن بمعزل عن الالتزام الذي نراه في الكاريكاتور قديما وحديثا ، حيث يقومان كلاهما بإلقاء الآراء النقدية في سبيل التوعية السياسية والاجتماعية والفكرية للناس ، وتعرية الكذب وتمزيق أقنعة التزوير ، وذلك عن طريق ممارسة الأنشطة الفنية والجمالية ، إلا أنّ الهجاء الكاريكاتوري كنشاط فني أدبي يختلف عن الكاريكاتور وكانت له المكانة الفضلى ، لكونه يعبر من خلال الكلمة التي رافقت الإنسان منذ عصره الأول ، أي منذ المجتمع البدائي ولا زالت إلى عصرنا هذا مرافقة الإنسان وحاملة وعيه والتزامه .