تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وتفكيره ، لأنه يعلم أنّ هجاءه لا يمكن أن يكون فنا إبداعيا إنسانيا إذا جافى الواقع أو تجاهل حركته وتناقضاته ولم يعكسه بصدق وأمانة . وفي نهاية هذا الفصل نخلص بما أنّ الفكرة الكاريكاتورية لدى الشعراء العباسيين في كثير من الأحيان قد اعتمدت على الثنائية المرتكزة على عنصرين أو أكثر ، وتبعا لذلك تنوّعت مضامين الصورة الكاريكاتورية وتعددت موضوعاتها . فلسنا ندعي أنّ كل الأهاجي الكاريكاتورية على درجة واحدة من الإجادة ، فهي كبيرة التفاوت ، لكن الواضح أنها تجرب في كلها الأسلوب الكاريكاتوري الذي يعمل على تكبير بعض النقاط والأمور الدقيقة ويزيد من توضيحها ويقدمها في نفس الوقت إلى المخاطب بشكل ساخر ، ويستكشف إمكانياته الجديدة في اللفظ والتركيب ، ويسعى في تطويعها للمضامين الشخصية والاجتماعية والسياسية ، بتحقيق انسجامها مع الظروف التي سادت المجتمع العباسي والتقاطها للأحداث التي كانت تقع في ذاك العهد ، كما أنه في نفس الوقت كان وسيلة للشعراء العباسيين للتنفس عمّا يعتريهم من مشكلات وهموم عارضة . فكانوا يتصدّون إلى أعلى مستويات التجربة الشعرية ، إلى الهموم الميتافيزيقيّة وإلى أدناها حسب موهبتهم ومهارتهم ، ويفكّرون في التهريج الساخر الذي يلخص في الألفاظ والمفردات الجارحة التي ترسم صورة ساخرة دون إحداث صدام عنيف . وتبيّن من دراسة أهاجي الشعراء الكاريكاتوريين في المضامين الثلاثة أنّ التصوير الكاريكاتوري في المضمون الاجتماعي والسياسي ليس واضحا كما نراه في الصور الكاريكاتورية المتعلقة بملامح الوجه ، لكن هذا الأمر من طبيعة الصور الكاريكاتورية المتعلقة بالشؤون الاجتماعية والسياسية التي تتعقّد أكثر بكثير من القضايا الأخرى ، لأنها تقوم بالتركيز على فكرة أو عقيدة اجتماعية وسياسية لا يمكن رؤية مبالغتها كما نراه في الصور المتعلقة بملامح الوجه ، كما يظهر من خلال دراسة الصور الهجائية بمضامينها المختلفة أنّ الهجاء الكاريكاتوري بنية متكاملة الشكل والمحتوى ، وكان في العصر العباسي يستهدف التعبير وتتعدى فعاليته القيم الجمالية والخيالية ؛ حيث إنّ الكثير من الشعراء الكاريكاتوريين