بمكانته ، وفور استقراره بدأ بتنظيم شؤون الطلاب من الناحية الدينية والعلمية والأخلاقية ، وسعى في جعل قم مركزاً علمياً يستقطب إيران ويوجه المؤمنين توجيهاً روحياً صحيحاً .
أخذت - بهبوطه المدينة المقدسة - تتوالى عليه الحقوق الشرعية من مقلديه ، فوسّع العطاء على العلماء والطلاب وأجرى لهم رواتب شهرية ومخصصات للطوارىء ، وقرر للحوزة نظاماً دراسياً خاصاً مع الامتحان والاختبار لمعرفة مواهبهم ومدى جهدهم العلمي ، وأكثر الترغيب لجلب الشباب إلى هذه الحضيرة الروحية ، فكانت النتيجة أن غصت المدارس العلمية بالطلاب وزاد عددهم في مدة قليلة على الألف طالب .
وقد أبدى - قدس سره - كياسةً وكفاءةً في حفظ الحوزة العلمية وصيانتها من الهجمات المعادية التي كانت ترصدها لها الأعداء وتترصد الفرص لهدمها وانهيارها .
وأعظم شيء يذكر له بهذا الصدد رحابة صدره عند مضايقات طاغية زمانه رضا شاه البهلوي وشدة وطأته على الدين ورجاله ، فكان الشيخ يصرف بحسن تدبيره الأخطار التي يوجهها الشاه إلى الحوزة بشتى أساليبه الشيطانية التي لم يكن من المقدور الصمود أمامها إلا بالحنكة المعروفة للشيخ وصبره المتناهي عند مواجهة الشدائد .
فكم من القضايا والمآسي التي ينقلها الشيوخ عن تلك الفترة الحالكة في تأريخ إيران والمليئة بالمضايقات التي لا تطاق على الشعب المسلم ، وخاصةً العلماء والمتدينون الذين أصابتهم الأذى بأشد ما في طاقة ذلك الطاغية ، وكان الشيخ الحائري هو الملجأ الوحيد الذي يمكن أن يُلجأ إليه لدفع بعض ما يصيبهم من المحن .
قال الشيخ آقا بزرك الطهراني :
« وقد برهن الحائري على بطولة ورجولة ، وشجاعة وصبر وجلد وثبات وعزيمة جبارة ، فقد لاقى في طريق العمل من الصعاب والمتاعب ما يكفي لتراجع أكبر الرجال قلباً وأقواهم شكيمةً وأوسعهم صدراً ، حيث كان لانتهاء حكم القاجاريين وتولي البهلوي تأثير بارز في تقليص جهوده والحدّ من نشاطه ، إذ رافقت ذلك أحداث ووقائع جسام وكانت سيرة البهلوي واضحة في عزمه الأكيد وتصميمه على القضاء على الدين ومحو كل أثر لرجاله وشعائره ورسومه ، فقد سجن العلماء الكبار ، ونفى عدداً منهم ودسّ السم لآخرين ، وفعل الأفاعيل من هذا القبيل ، وفي هذه الظروف كان الحائري يعمل على توسيع دائرة الحوزة العلمية في قم ونشر الدعوة ، ودعم هيكل الدين ، وإشادة مجد الاسلام بإعمال أحكامه وتطبيق نظامه » .
المفصل فى تراجم الاعلام — صفحة 181
مساهمون: السيد أحمد الحسيني الاشكوري
ص١٨١