تحصيله ، كما أنه لا يعرف القيلولة في النهار ، ولكني بدل أن أسمع ذلك عنه في زمن شبيبته فقد شاهدت ذلك منه بأم عيني في زمن شيخوخته ، وإن مكتبته التي يأوى إليها الليل والنهار ويجلس هناك بيمناه القلم ويسراه القرطاس لهي الشاهد الفذّ بأن عيني صاحبها المفتوحتين في الليل لا يطبق أجفانه الكرى في النهار ، وإن جاءها الكرى فإنما يجيؤها حثاثاً لا يكاد يلبث حتى يزول » .
كانت مجالسه مدارس سيارة ، فيها ما يبتغيه الانسان الكامل من فنون العلم وضروب الحكمة ، وهو واضح الأسلوب في كلامه فخم العبارة مشرق الديباجة ، فكان مجالسوه ينقلبون عنه بما التمسوه من ضوال الحكمة وجزيل الفوائد العلمية والنكات الأدبية والتأريخية .
وكان - رضوان اللَّه عليه - لا يقنع بظواهر الأشياء وقشورها ، وإنما كان وثاباً إلى اللباب والخلاصة ، ثم إذا وصل إليهما تخيّر منهما ما كان أشد ملائمة لعقله المترف الممتاز وذوقه الصحيح المتأنق وطبعه الرفيع الفذ .
وهو - بعد ذلك - معروف بمناظراته الدينية ودفاعه عن الحق باللسان والقلم ، قلما يتفق مجلس يضمه مع بعض أعلام الأديان والمذاهب إلا وله الكلمة العليا ذباً عن الدين الإسلامي والمذهب الإمامي ، مع شدة العارضة وطول النفس في البحث وبُعد غور الحجة .
قال الشيخ آقا بزرك الطهراني :
« رجع إلى الكاظمية فاشتغل بالتصنيف والتأليف في جميع العلوم الإسلامية من الفقه والأصول والرجال والدراية والحديث والنسب والتأريخ والسير والتراجم والأخلاق والحكمة والكلام والجدل والمناظرة والمناقب والدعاء وغيرها من فنون العلم ، وكان طويل الباع واسع الاطلاع غزير المادة في تمام هذه العلوم مستحضراً لأغلب مطالبها ، وهو من النادرين الذين جمعوا في التأليف بين الإكثار والتحقيق ، فتصانيفه على كثرتها وضخامة مجلداتها وتعدد أجزائها هي الغاية في بابها ، فقد كان ممعناً في تتبع آثار المتقدمين والمتأخرين من الشيعة والسنة موغلًا في البحث عن دخائلهم وممحصاً لحقائهم ومستجلياً ما في آثارهم من الغوامض ومستخرجاً المخبآت بتحقيقات أنيقة وبيانات رشيقة ، فقد تجاوزت تصانيفه السبعين وكلها نافعة جليلة وهامة مفيدة » .
مكتبته :
قال السيد عبد الحسين شرف الدين :
« ولع - أعلى اللَّه مقامه - منذ حداثته إلى منتهى أيامه في جمع الكتب ، وعنى بذلك كل