وأُجيب بعدم المنافاة بين كشف الشيء لغيره ، وغيره يكشف عن العلم به .
وبأنّ تصوّر غيره موقوف على حصول العلم بغيره ، لا على تصوّر حقيقته .
وردّ : بأنّ الحصول هو المتصوّر ؛ إذ هو الحصول الذهني .
وأُجيب أيضاً : بأنّ العلم المحدود إمّا الأخصّ ؛ كظاهر كلام المتكلّمين في تعريفهم بقولهم : المعرفة للشيء على ما هو به ، أو اعتقاد يقتضي سكون النفس ، فلا يصدق أنّ غير العلم لا يعرف إلّابه ؛ لأنّ العلم التصوّري بحقائق الأشياء لا يتوقّف على المعنى الأخصّ ، وتلك مراد المعرّف ، فجاز تعريف العلم بها .
وأمّا المراد من الاعتقاد فقوله « يتوقّف علم ذلك الغير على العلم » إن أراد به كون العلم معرّفاً له فهو باطل ، وإن أراد أنّ ذلك الغير لا يُعلم حتّى يحصل صفة العلم المتعلّق به في النفس فمسلّم ، فلا دور ؛ لعدم توقّف حصول صفة العلم في النفس على الحدّ ، بل المتوقّف عليه علمُ حقيقة العلمِ الحاصل كالإرادة والقدرة ؛ فإنّ كون الشيء مقدوراً أو مراداً إنّما يتوقّف على قيام الإرادة والقدرة بالنفس ، لا على تعريفهما .
أقول : لا شكّ أنّ المحدود هو الأخصّ ، وتجويز تعريفه بغير المعلوم ضعيف ، وما ذكره ثانياً راجع إلى ما تقدّم ؛ وعن الثاني نمنع جزئيّة المطلق لوجودي ، ومنع أنّ حصول علمي بوجودي مستلزم تصوّره ، بحيث يمنع تصوّره حصوله ، أو تقدّم تصوّره ، بحيث يكون شرطاً لحصوله ، فيجوز الانفكاك مطلقاً فتغايرا ، فلم يلزم من ضروريّة أحدهما ضروريّة الآخر .
الثالث : النظر لغةً : الانتظار « 1 » ، وبمعنى الرؤية « 2 » ، والرحمة « 3 » ، والمقابلة « 4 » ، والفكر « 5 » ، وهو المراد هنا .
هامش
( 1 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 830 ؛ لسان العرب ، ج 5 ، ص 216 ، « نظر » .
( 2 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 830 ؛ لسان العرب ، ج 5 ، ص 215 ، « نظر » .
( 3 ) . النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج 5 ، ص 77 ؛ لسان العرب ، ج 5 ، ص 218 ، « نظر » .
( 4 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 830 ؛ النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج 5 ، ص 78 ؛ لسان العرب ، ج 5 ، ص 218 ، « نظر » .
( 5 ) . لسان العرب ، ج 5 ، ص 217 ، « نظر » .