قلنا : الأمر للحاضرين عنده ولا خلاص عن الشناعة بما ذكروه ؛ لأنّ حكم العقلاء بقبح أمر المعدوم وبكونه سفهاً معلّل بمجرّد الأمر للمعدوم ، لتحقّق الحكم بقبحه مع الذهول عن كلّ ما سواه .
[ البحث الثاني : الفهم شرط التكليف ]
قال :
البحث الثاني : الفهم شرط التكليف ، فالغافل ليس مأموراً ؛ لقوله عليه السلام : « رفع القلم عن ثلاثة » ، ولأنّ الفعل مشروط بالعلم ، فالتكليف به حال عدمه تكليف بما لا يطاق .
احتجّوا بأنّ الأمر بالمعرفة إن توجّه على العارف لزم تحصيل الحاصل ، وإلّا ثبت المطلوب ؛ لاستحالة معرفة الأمر قبل معرفة الآمر ، ولأنّ الغرامة تجب على الصبيّ والمجنون ، ولقوله تعالى :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى »
.
والجواب : أنّ المعرفة واجبة عقلًا لا بالأمر ، وإيجاب الغرامة لا يستلزم الوجوب على المجنون ؛ لأنّه من باب الأسباب ، والمراد بالآية الثمل .
[ تهذيب الوصول ، ص 117 - 118 ]
أقول : هذا مذهب أكثر العقلاء ؛ لأنّ التكليف خطاب وخطاب غير الفاهم غير جائز كالبهيمة ، سواء كان الخطاب أمراً أو نهياً .
واحتجّ عليه المصنّف بالسمع والعقل . أمّا السمع فقوله عليه السلام : « رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبيّ حتّى يبلغ ، والنائم حتّى يستيقظ ، والمجنون حتّى يفيق » « 1 » .
قيل : لا يدلّ على استحالة تكليف غير هؤلاء . والمطلوب استحالة تكليف أيّ غافل كان .
وأُجيب بطرده في غيرهم ؛ لأنّ العلّة هي عدم فهمهم الخطاب بطريق المناسبة .
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 7 ، ص 146 ، ح 24173 ؛ سنن أبي داود ، ج 4 ، ص 141 ، ح 4403 ؛ المستدرك على الصحيحين ، ج 2 ، ص 371 و 372 ، ح 2397 و 2398 مع اختلافٍ في العبارة .