أقول : هنا مسائل :
الأُولى : مجوّز التكليف بالمحال جوّز تكليفَ المكره ، ومانعه إن لم يبلغ الإلجاء صحّ ؛ لبقاء القدرة ، وإلّا امتنع ؛ لعدمها ؛ إذ هو واجب الوقوع أو عدمه ، وتكليف غير القادر تكليف بالمحال .
قال الرازي :
الإكراه لا ينافي الفعل ؛ لأنّ الفعل إن توقّف على الداعي لزم الجبر ؛ لوجوب انتهاء الداعي إلى الله ؛ لاستحالة التسلسل ، وإن لم يتوقّف كان رجحان أحد الطرفين اتّفاقاً لا يتوقّف على اختيار المكلّف ، فلِمَ لا يجوز مثله في الإكراه ؟
ثمّ أورد على نفسه : إن عني بالاتّفاق حصوله لا بقدرة فممنوع ؛ لأنّ القادر عندنا يرجّح لا لمرجّح ، وإن عني به أمراً آخر وجب بيانه .
وأجاب بأنّ القادر لمّا كان قادراً قبل الفعل ثمّ حدث فإن كان حدوثه لتجدّد أمر توقّف فعل الفاعل على أمر آخر وقد قدِّر غير متوقّف ، وهذا خلف ، وإن لم يتجدّد أمر غير كونه قادراً ، فحدوث الفعل في بعض أزمنة قدرته دون غيره ليس لأمر حصل من الفاعل حتّى يؤمر به وينهى عنه ، فإن كان ، ذلك محض الاتّفاق « 1 » .
وأُجيب بأنّ فعل العبد وإن استند إلى قدرته وداعيه والوجوب لاحق فإنّا نعني بالفعل الاختياري ما استند إلى القدرة والداعي ، والاتّفاق إن عني به ما يصدر عن المؤثّر القادر مع تساوي طرفيه منعنا استحالته ، فإنّه المتنازع ، وإن عني به ما يصدر لا عن المؤثّر فاستحالته مسلّمة « 2 » .
ولنا أيضاً قوله عليه السلام : « رُفع عن أُمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » « 3 » .
هامش
( 1 ) . المحصول ، ج 2 ، ص 268 - 269 .
( 2 ) . المجيب هو العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 603 .
( 3 ) . لم نعثر في الجوامع الحديثيّة على روايةٍ بهذه العبارة . نعم ، ورد في الكافي ، ج 2 ، ص 463 ، باب ما رفع عنالأُمّة ، ح 2 ؛ كتاب النوادر ، ص 74 - 75 ، ح 157 - 159 ؛ وسنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 659 ، ح 2043 و 2045 مع اختلافٍ قليل .