وأما الحجة الرابعة - فإنها في غاية المنع ، فإنه ليس بمسلم أن الأجزاء المفروضة « 1 » الموجودة في المقدار حاصلة فيه بالفعل ، حتى يلزم ما ذكرتم . وأما قولكم يلزم مساواة الجبل للخردلة في الانقسام ، فإنه حق ، لكن الشنيع أن يقال : - أن تلك الأجزاء مساوية لهذه في المقدار ، ونحن لا نقول به .
وأما الخامسة - فإنها مغالطة ، فإن أقليدس برهن على وجود زاوية هي أصغر الزوايا الحواد ، هي « 2 » التي تكون بين خطين مستقيمين ولا يلزم منه أن تكون تلك أصغر من كل زاوية مفروضة سواء كان خطاها مستقيمين أم غير مستقيمين .
ثم قالوا للفريق الثاني قد بينا بطلان تركب الجسم من الأجزاء ، فبطل كلامكم بالكلية ، ثم كيف يلزم من قبول الجسم القسمة ، تركبه مما انقسم إليه ؟
وهذا وارد على " ديمقراطيس " أيضا في حجته الأولى .
وأما حجته الثانية فساقطة بالكلية ، فإن انقسام الجسم إذا كان غير واقف عند حدّ ، لا يلزم ما ذكر ، على أن قوله : - إذا انقسم الجسم إلى أجسام « 3 » تركب منها ، لا يخلو عن ضعف ، وقد سلف « 4 » بيانه .
ثم إن الشيخ « 5 » نقل منه أن تلك الأجزاء متساوية ومساوية للجميع في
هامش
( 1 ) في س ، المفرضية وفي المطبوع " الفرضية " .
( 2 ) في المطبوع وفي س ، من .
( 3 ) في س ، اقسام .
( 4 ) في س ، قد سلف ، بسقوط الواو .
( 5 ) هو الشيخ الرئيس ابن سينا ، أبو علي الحسين بن عبد اللّه ، ولد قرب بخارى في شهر صفر من عام 370 ه أب 980 م ، علم ما رجحه ابن خلكان في وفيات الأعيان ، ج 1 ، ص 191 ، الشهرزوري ، في نزهة الأرواح ، ص 224 ، والقفطي في أخبار العلماء بأخبار الحكماء ، ص 269 ، أو في عام 375 ه / 985 م كما ذكره ابن أبي اصيبعة ، ج 2 ، ص 2 ، وتوفي سنة 428 ه / 1040 م ، كما اجمع عليه . اخذ العلم في بيت أبيه صبيا فنبغ مبكرا واشتهر طبيبا وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره ، فكان واسع الثقافة وفيلسوف الشرق العظيم ، ألف من الكتب والرسائل ما جاوز 276 مؤلفا ذكرها بإسهاب الأب قنواتي في كتابه ( مؤلفات ابن سينا ) . ترجم ابن سينا لنفسه فيما أملاه على تلميذه الجوزجاني في نسخة ليست هي الأصل ، كان هو وأبو نصر الفارابي ممن عناهما الغزالي بكتابيه ( مقاصد الفلاسفة ) و ( تهافت الفلاسفة ) فقال في مقدمة ( التهافت ) - فليعلم إنا مقتصرون على رد مذاهبهم بحسب نقل هذين الرجلين ) ، ص 9 ، كما وصفه ابن قيم الجوزية بأنه ( إمام الملحدين ) ، ( نقلا عن الأعلام ج 6 ، ص 258 ) . والحق أن الرجل فيلسوف مسلم .