ولا يمكن أن يقال : قد يذهبان ويتناهى الانفراج ، وإذا كان الانفراج غير متناه كان ما لا يتناهى محصورا بين حاصرين .
وبعض المهندسين غيّر هذه الحجّة ، وقال : نفرض زاوية الخطين ثلثي قائمة فإذا كان الخطّان غير متناهيين ، كان الواصل بينهما غير متناه ؛ ضرورة تساوي زاويتي القاعدة ومساواتهما لزاوية الخطّين فالخطوط متساوية « 1 » .
وهذه الحجّة غير عامّة ؛ فإنّها إنّما تدلّ على التناهي من بعض الجهات . والتغيير فاسد لا يخلو من مصادرة على المطلوب .
وقد يقال ها هنا : إنّ كلّ جسم بسيط إذا تناهى من جهة ، لزم تناهيه من جميع الجهات ؛ لأنّ الطبيعة الواحدة يستحيل أن تقتضي شيئين مختلفين .
البحث الرابع : في تناهي القوى الجسمانيّة
اعلم أنّه إذا قيل : إنّ قوّة مّا متناهية أو غير متناهية إنّما هو بحسب ما يصدر عنها ؛ فإنّ التناهي وعدمه - بمعنى العدول - إنّما يلحقان بالذات لما هو كمّ ، وبوساطته لما يتعلّق به ، فإذا قيل : هذه القوّة متناهية ، كان المراد منه بقاء عملها الواحد في أزمنة مختلفة كرماة تقطع سهامهم مسافة محدودة في أزمنة مختلفة ، وها هنا تكون القوّة التي زمانها أقلّ أشدّ قوّة من التي زمانها أكثر فيقع عمل القوّة البالغة إلى غير النهاية لا في زمان .
أو يكون المراد منه صدور عمل منها على الاتّصال في أزمنة مختلفة كرماة تختلف أزمنة حركات سهامهم ، وها هنا تكون القوّة التي زمانها أكثر أشدّ من التي زمانها أقلّ ، ويقع عمل غير المتناهية ، في زمان غير متناه .
أو يكون المراد منه صدور أعمال متوالية عنها ، مختلفة بالعدد كرماة يختلف عدد رميهم ، وها هنا تكون القوّة غير المتناهية تصدر عنها أعمال غير متناهية .
والأوّل اختلاف بالشدّة .
والثاني بالمدّة .
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 1 : 214 و 215 ؛ « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 62 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 96 .