وثانيا : أنّ الإمكان هو المعروض للتفاوت والمساواة .
وفيه نظر ؛ فإنّ المتفاوت فيه إنّما هو الحركة ؛ فإنّ قطع المسافة بحركة أقلّ أو بحركة أكثر لا يستدعي ثبوت مقدار لإمكان الحركتين ، وإلّا لجاز أن يكون مقدار الجسم الكبير والصغير يتفاوت بحسب إمكانهما ؛ فيكون له مقدار .
وأيضا فإنّ المقدار المفروض ها هنا ليس أمرا عينيا ، وإنّما هو أمر فرضيّ .
وأيضا فإنّ الزمان إن جعلتموه نفس الإمكان المقدّر ، كان المقدار عارضا للزمان ، وهو خلاف مذهبكم . وإن جعلتموه نفس مقدار الإمكان المقدّر كان الزمان مقدارا للإمكان لا مقدارا للحركة . وهذا خلاف مذهبكم أيضا .
[ 7 ] سرّ
اختلف المتّفقون على وجود الزمان في ماهيته .
وضبط الأقوال فيه أن نقول : الزمان إمّا أن يكون واجب الوجود لذاته ، وإمّا أن يكون ممكن الوجود ، فإن كان ممكنا ، فإمّا أن يكون جسما ، وإمّا أن يكون عرضا ، فإن كان عرضا ، فإمّا أن يكون نفس الحركة أو مقدار الحركة أو يكون مقدارا للوجود ، وكلّ واحد من هذه الأقسام مذهب لقوم . وفي القسمة احتمالات أخر لم نعرف قائلا يذهب إليها .
احتجّ القائلون بوجوب وجوده : بأنّ فرض عدمه يستلزم المحال ؛ فيكون عدمه محالا ؛ فيكون وجوده واجبا .
بيان أنّ عدمه يستلزم المحال أنّ عدمه بعد وجوده يستدعي ثبوت قبلية وبعدية بالزمان ، فيكون الزمان موجودا حال ما فرض معدوما ، وكلّ ما كان وجوده حاصلا عند فرض عدمه ، كان عدمه محالا ، فيكون وجوده واجبا « 1 » .
وهذا الاحتجاج باطل ؛ فإنّهم أخذوا فيه الوجوب مشروطا بشرط ، وحسبوه أنّه مطلق . وفرض عدم الزمان بعد وجوده - على تقدير تسليم أنّ البعدية لا تنفكّ عن الزمان - هو فرض عدم الشيء مع وجوده . والمحال إذا لزم من هذا ، لم يلزم أن يكون
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 1 : 766 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 196 .