فما يتوهّم أنّه نتيجة في هذا المثال ؛ فإنّه بعينه الكبرى بدّلت فيها إحدى الألفاظ .
وإنّما يستعمل هذا الفنّ كثيرا ، الجدليّون ، وقلّما يتفطّن لمثل هذا إذا وقع في أقيسة متباعدة .
ومثال الثالث : ما يستعمل في نفي قديمين ، بقولهم : « الإله واجب الوجود ، وكلّ واجب الوجود ، فهو واحد ؛ فالإله هو الواحد » ، وكما تقول : « زيد كامل النظر في العلوم ، وكلّ من كان كذلك ، فهو حكيم ؛ فزيد هو الحكيم » ، ومن هذا الباب استنتاج الخفيّ من الأخفى ، كقولنا : « هذا جزء الجوهر ، وكلّ جزء الجوهر جوهر ؛ فهذا جوهر » .
ومثال الرابع : قولنا : « الإنسان وحده ضحّاك ، وكلّ ضحّاك حيوان » لينتج « الإنسان وحده حيوان » ؛ فإنّ الغلط فيه باعتبار المقدّمة ، من هذا الباب ، وباعتبار القياس ، من باب وضع ما ليس بعلّة ، علّة .
وقد أجيب عن هذا بأنّ لفظة « وحده » هي جزء من المحمول ، فيجب أن تؤخذ في الكبرى كذلك ، وحينئذ ينتج « كلّ إنسان حيوان » .
وهذا ليس بشيء ؛ فإنّ القائس قد يذكر الرابطة ، ويجعلها متأخّرة عن لفظة « وحده » كما تقول : « الإنسان وحده هو ضحّاك » وحينئذ تأتي النتيجة : « الإنسان وحده حيوان » .
وأجيب : بأنّ الصغرى ليست على شرط المقول على الكلّ ، ولا في قوّة المقول على الكلّ ؛ فإنّا لو أدخلنا لفظة « كلّ » أو « بعض » كذبت القضيّة ، والحمل على الطبيعة يجوز أن يذكر في القياس إذا كان في قوّة المقول على الكلّ كقولنا : « الإنسان حيوان ، وكلّ حيوان جسم » ؛ فإنّ لفظة « كلّ » أو « بعض » إذا أدخلت على الصغرى لا تكذب .
ومثال الخامس : قولنا : « كلّ أبيض ثلج ؛ لأنّ كلّ ثلج أبيض » .
ومثال السادس : قولنا : « الهيولى بالقوّة ؛ فتكون معدومة » وهي باعتبار ذاتها بالفعل ، وقوّتها بالنسبة إلى أمور أخرى ، فها هنا قد أخذنا ما هو محمول على الشيء - حملا عرضيا - مكان « 1 » ماهيّته ، ومن هذا الباب أخذ العدم والملكة مكان السلب والإيجاب ؛ فإنّه أخذ سبب الشيء بدله .
هامش
( 1 ) . في « م » : « فكان ماهية » . وفي « ت » : « فكان ماهيته » . والصحيح ما اخترناه .