ذكروه من أنّ الجائع الذي يحضره رغيفان ، والعطشان الذي يحضره إناءان ، والهارب الذي يحضره طريقان ، يختار أحدهما على الآخر لا لمرجّح ، فهو يجوز في الفاعل المختار .
فإنّ ضعف هذا ظاهر ؛ لأنّ الضرورة قاضية ببطلان الترجيح بلا مرجّح ، ولا يصلح الاستناد لشيء من هذه الأمور ؛ لأنّ عدم العلم بالمخصّص في بعض لا ينفي المخصّص مطلقا ، ولأنّه يجوز أن يكون المخصّص في هذه الأمثلة ميل الفاعل إليه ، ولأنّه يجوز أن يكون المانع من الترجيح فيها ما هو فيه من الشغل ، فلا يحسن أن يقاس عليه أمر الواجب المختار ، كما لا يخفى على المنصف المجاوز للإصرار ، والفطن المتلقّي لفهم دقائق الأسرار . وباللّه التوفيق .
* * * * قال : ( وقدرته تتعلّق بجميع المقدورات ؛ لأنّ العلّة المحوجة [ إليه ] هي الإمكان ، ونسبة ذاته إلى الجميع بالسويّة ، فتكون قدرته عامّة ) .
تعلّق قدرته تعالى بجميع المقدورات
أقول : الكلام السابق في إثبات كونه قادرا مختارا ، وهاهنا نبّه على عموم قدرته ، فذكر أنّها تتعلّق بجميع المقدورات .
والدليل عليه : أنّه قد ثبت تعلّق القدرة ببعض المقدورات ، وكلّ ما ثبت قدرته على بعض المقدورات ثبت قدرته على جميعها ، لكن المقدّم ثابت إجماعا ، فالتالي مثله .
أمّا بيان الملازمة ؛ فلأنّ العلّة التي كان لأجلها مقدورا عليه هي الإمكان ؛ لأنّ الواجب والممتنع ليسا بمقدورين ، والإمكان مشترك بين ما عدا ذاته ، فيجب تعلّق القدرة بما عدا ذاته ، وهو جميع الممكنات ؛ لاشتراكها في العلّة الذي كان لأجلها مقدورا عليه ، وهو الإمكان .