تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد البشر في شرح الباب الحادي عشر — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وأمّا أنّ الحركة والسكون حادثان ؛ فلأنّهما مسبوقان بالغير ؛ لأنّ الحركة هي الكون الثاني في المكان الثاني ، والسكون هو الكون الثاني في المكان الأوّل ، فهما مسبوقان بالكون الأوّل ، ولا شيء من القديم بمسبوق بالغير ، فيكونان حادثين ؛ لانتفاء الواسطة بين القديم والحادث . وأمّا أنّ كلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ؛ فلأنّه لو لم يكن حادثا لكان قديما ، والقديم لا يكون محلّا للحوادث ؛ لأنّها إمّا أن تكون معه في القدم فيلزم اجتماع القدم والحدوث في شيء واحد ، وهو محال ، أو لا تكون معه في القدم فيلزم انفكاكها عنه ، وقد كانت هذه الحوادث ممّا علم عدم انفكاكها عن الجسم كما بيّنا . هذا كلّه في الأجسام ، وأمّا في الأعراض فلأنّها محتاجة إلى الأجسام في الوجود لقيامها بها ، وقد ثبت أنّ الأجسام حادثة ، والمحتاج إلى حادث أولى بأن يكون حادثا . وأمّا أنّه كلّما كان العالم حادثا كان اللّه تعالى قادرا مختارا ، فلأنّه لو لم يكن كذلك لكان موجبا ، فيجب عدم تخلّف أثره عنه ، وحينئذ يكون قديما ؛ لقدم مؤثّره ، لكنه ثبت كونه حادثا فلا يكون الفاعل موجبا ، فيكون مختارا ، وهو المطلوب . فظهر أنّه لو لم يكن الفاعل مختارا لزم إمّا قدم العالم ؛ لقدم مؤثّره ، أو حدوث الباري تعالى ؛ لحدوث أثره ، وكلاهما محالان ، فيجب أن يكون الباري تعالى قادرا مختارا والعالم حادثا ، وهو المطلوب . هذا تقرير ما ذكره المصنّف . ولك أن تقول في الاستدلال على حدوث العالم : إنّه قد وقع الإجماع من أشرف العقلاء - كالأنبياء ومن مؤمني الحكماء - على أنّ العالم حادث ، والعقل يحكم حكما على القطع بأنّ هؤلاء ليسوا بمتواطئين على الكذب ، وهو نوع آخر من البرهان الذي وعدنا إجراءه في جميع الصفات ، وبه يستدلّ على أنّ الواجب قادر مختار على نحو الملازمة المذكورة .