الثالث : امتناع انفكاك وجود العالم عن وجود الواجب .
فالأوّل منفيّ عن اللّه تعالى بالإجماع ، والثاني ثابت له بالإجماع ، والثالث أثبته له الفلاسفة « 1 » ؛ لأنّهم قائلون [ بقدم ] « 2 » العالم . ونفاه عنه المتكلّمون ؛ بل الملّيّون قاطبة ؛ لأنّهم قائلون بحدوث العالم .
فالخلاف حينئذ بين الفريقين ليس في القدرة والاختيار ، فإنّ الفلاسفة يثبتون له ذلك ، وإنّما الخلاف بينهم في قدم العالم وحدوثه .
وهذا هو التحقيق في هذا المقام ، وإليه أشار المحقّق الطوسي في ( شرح الإشارات ) « 3 » .
وهذا الكلام وقع في البين ، فلنرجع إلى شرح كلام المصنّف ، فنقول :
الدليل على قدرة الواجب واختياره
استدلّ المصنّف على أنّ الواجب قادر مختار بأنّ العالم حادث ، وهذا الاستدلال في حكم قياس استثنائي .
وتقريره : أنّه كلّما كان العالم حادثا كان الباري تعالى قادرا مختارا ، لكن المقدّم حقّ ، فالتالي مثله .
أمّا أنّ العالم حادث ، فلأنّ العالم عند المتكلّمين هو السماء والأرض وما فيهما وما بينهما ، وهي إمّا أجسام أو أعراض ؛ لأنّهم منكرون للمجرّدات ، وكلّ من الأجسام والأعراض حادث .
وأمّا أنّ الأجسام حادثة ؛ فلأنّها إمّا متحركة أو ساكنة ، فهي لا تخلو من الحركة والسكون الحادثين ، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث .
أمّا أنّها لا تخلو عنها ؛ فلأنّها إمّا لابثة في مكان فتكون ساكنة ، أو منتقلة عنه فتكون متحركة .
هامش
( 1 ) انظر : شرح المواقف 8 : 49 .
( 2 ) في المخطوط : ( بعدم ) .
( 3 ) الإشارات والتنبيهات 3 : 81 .