مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا : " إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة " .
وقوله تعالى : ( وأقيموا الشهادة لله ) فيه أمر بإقامة الشهادات عند الحكام على
الحقوق كلها ، لأن الشهادة هنا اسم للحبس وإن كان مذكورا بعد الأمر بإشهاد ذوي عدل
على الرجعة ، لأن ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه ، فانتظم ذلك معنيين :
أحدهما الأمر بإقامة الشهادة ، والآخر أن إقامة الشهادة حق لله تعالى ، وأفاد بذلك تأكيده
والقيام به .
باب عدة الآيسة والصغيرة
قال الله تعالى : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة
أشهر واللائي لم يحضن ) . قال أبو بكر : قد اقتضت الآية إثبات الإياس لمن ذكرت في
الآية من النساء بلا ارتياب ، وقوله تعالى : ( إن ارتبتم ) غير جائز أن يكون المراد به
الارتياب في الإياس ، لأنه قد أثبت حكم من ثبت إياسها في أول الآية ، فوجب أن يكون
الارتياب في غير الإياس . واختلف أهل العلم في الريبة المذكور في الآية ، فروى مطرف
عن عمرو بن سالم قال : " قال أبي بن كعب : يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم
تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال ! فأنزل الله تعالى : ( واللائي يئسن من
المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال
أجلهن أن يضعن حملهن ) " ، فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في
عدد من ذكر من الصغار والكبار وأولات الأحمال ، وأن ذكر الارتياب في الآية إنما هو
على وجه ذكر السبب الذي نزل عليه الحكم ، فكان بمعنى : واللائي يئسن من المحيض
من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر .
واختلف السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار في التي يرتفع حيضها ، فروى ابن
المسيب عن عمر رضي الله عنه قال : " أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم
رفعت حيضتها فإنه ينتظر بها تسعة أشهر ، فإن استبان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد
التسعة الأشهر بثلاثة أشهر ثم حلت " . وعن ابن عباس في التي ارتفع حيضها سنة قال :
" تلك الريبة " . وروى معمر عن قتادة عن عكرمة في التي تحيض في كل سنة مرة قال : " هذه ريبة عدتها ثلاثة أشهر " . وروى سفيان عن عمرو عن طاوس مثله . وروي عن علي
وعثمان وزيد بن ثابت : " أن عدتها ثلاث حيض " . وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن
محمد بن يحيى بن حبان أنه قال ، وكان عند جده حبان امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق
الأنصارية وهي ترضع فمرت به سنة ثم هلك ولم تحض فقالت : أنا أرثه ولم أحض ،
أحكام القرآن — صفحة 610
مساهمون: الجصاص
ص٦١٠