أسلم : " أن تزني فتخرج للحد " . وقال قتادة : " إلا أن تنشز فإذا فعلت حل اخراجها " .
قال أبو بكر : هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جميعها مرادا فيكون
خروجها فاحشة وإذا زنت أخرجت للحد وإذا بذت على أهله أخرجت أيضا ، وقد أمر
النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على أحمائها ، فأما عصيان الزوج والنشوز
فإن كان في البذاء وسوء الخلق اللذين يتعذر المقام معها فيه فجائز أن يكون مرادا ، وإن
كانت إنما عصت زوجها في شئ غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في اخراجها . وما ذكرنا
من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر لأنه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار
التي وصفنا .
قوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) يدل على أنه إذا طلق لغير السنة
وقع طلاقه وكان ظالما لنفسه بتعديه حدود الله ، لأنه ذكر ذلك عقيب طلاق العدة فأبان أن
من طلق لغير العدة فطلاقه واقع ، لأنه لو لم يقع طلاقه لم يكن ظالما لنفسه . ويدل على
أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه لنفسه قوله تعالى عقيبه : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد
ذلك أمرا ) يعني أن يحدث له ندم فلا ينفعه لأنه قد طلق ثلاثا . وهو يدل أيضا على
بطلان قول الشافعي في أن إيقاع الثلاث في كلمة واحدة من السنة ، لأن الله جعله ظالما
لنفسه حين طلق ثلاثا ، وترك اعتبار ما عسى أن يلحقه من الندم بإبانتها ، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم
على ابن عمر بطلاقه إياها في الحيض وأمره بمراجعتها ، لأن الطلاق الأول كان خطأ
فأمره بالرجعة ليقطع أسباب الخطأ ويبتدئه على السنة .
وزعم قوم أن الطلاق في حال الحيض لا يقع ، وقد بينا بطلان هذا القول في سورة
البقرة من جهة الكتاب والسنة ، وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق في الحيض
وذكره لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالمراجعة قال : قلت : فيعتد بها ؟ قال : " فمه ؟ أرأيت إن عجز
واستحمق ؟ " . فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
أحمد بن صالح قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير
أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال : كيف
ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟ قال : طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي
حائض ، فقال عبد الله : فردها علي ولم يرها شيئا وقال : " إذا طهرت فليطلق أو ليمسك "
قال ابن عمر : فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن " .
فقال المحتج : فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا ، وذلك يدل على أن الطلاق لم يقع .
فيقال له : ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم يحكم بالطلاق ، بل دلالته ظاهرة على
أحكام القرآن — صفحة 608
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٨