وقوعه ، لأنه قال : " وردها علي " وهو يعني الرجعة ، وقوله : " ولم يرها شيئا " يعني أنه لم
يبنها منه . وقد روي حديث ابن عمر عنه عن أنس بن سيرين وابن جبير وزيد بن أسلم
ومنصور عن أبي وائل عنه ، كلهم يقول فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر .
وقوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) يعني
به مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقته ، لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء العدة .
ولم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونا بذكر الرجعة بقوله : ( لا تدري
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) ، يعني أن يبدو له فيراجعها ، وقوله : ( فأمسكوهن
بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) قال في سورة البقرة : ( فأمسكوهن بمعروف أو
سرحوهن بمعروف ) [ البقرة : 231 ] .
باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة
قال الله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف
وأشهدوا ذوي عدل منكم ) فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج ، وقد
روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبي قلابة أنه إذا رجع ولم يشهد فالرجعة
صحيحة ويشهد بعد ذلك . قال أبو بكر : لما جعل له الإمساك أو الفراق ثم عقبه بذكر
الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها إذ لم يجعل الإشهاد
شرطا في الرجعة . ولم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو
تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك ،
وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا في صحتها ، كذلك الرجعة . وأيضا لما
كانت الفرقة حقا له وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة
أيضا حقا له ، وجب أن تجوز بغير إشهاد . وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو
الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم يعلم
الطلاق والفراق ، فلا يؤمن التجاحد بينهما ، ولم يكن معنى الاحتياط فيهما مقصورا على
الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا ، وإن أشهد بعدهما وجب أن
لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين ، ولا نعلم بين أهل العلم
خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئا يروى عن عطاء ، فإن سفيان روى عن
ابن جريج عن عطاء قال : " الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة " ، وهذا محمول على أنه
مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود ، ألا
ترى أنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة ؟ وقد روى شعبة عن
أحكام القرآن — صفحة 609
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٩