والمتوفى عنهن أزواجهن وأن لا يجعل الحكم مقصورا على المطلقات لأنه تخصيص
عموم بلا دلالة .
ويدل على أن المتوفى عنها زوجها داخلة في الآية مرادة بها اتفاق الجميع على أن
مضي شهور المتوفى عنها زوجها لا يوجب انقضاء عدتها دون وضع الحمل ، فدل على
أنها مرادة بها ، فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره ، ولو جاز اعتبار الشهور لأنها مذكورة
في آية أخرى لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المطلقة لأنها مذكورة في قوله تعالى :
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 228 ] ، وفي سقوط اعتبار الحيض
مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل . وقد روى منصور عن إبراهيم عن
الأسود عن أبي السنابل بن بعكك : أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة
وعشرين ، فتشوفت للنكاح ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن تفعل فقد خلا أجلها " .
وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : اختلف ابن عباس وأبو
هريرة في ذلك ، فأرسل ابن عباس كريبا إلى أم سلمة فقالت : " إن سبيعة وضعت بعد وفاة
زوجها بأيام ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج " . وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن
إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن سبيعة أنها وضعت بعد موت زوجها بشهرين ، فقال لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " تزوجي ! " . وجعل أصحابنا عدة امرأة الصغير من الوفاة الحمل إذا مات
عنها زوجها وهي حامل ، لقوله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) ،
ولم يفرق بين امرأة الصغير والكبير ولا بين من يلحقه بالنسب أو لا يلحقه .
باب السكنى للمطلقة
قال الله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) الآية . قال أبو بكر :
اتفق الجميع من فقهاء الأمصار وأهل العراق ومالك والشافعي على وجوب السكنى
للمبتوتة ، وقال ابن أبي ليلى : " لا سكنى للمبتوتة إنما هي للرجعية " . قال أبو بكر : قوله
تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) قد انتظم الرجعية والمبتوتة . والدليل على ذلك أن من بقي
من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد طلاقها بالآية ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها " ، ولم يفرق بين التطليقة الأولى
وبين الثالثة . فإذا كان قوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) قد تضمن البائن ، ثم قال : ( أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم ) وجب ذلك للجميع من البائن والرجعي .
فإن قيل : لما قال تعالى : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) وقال : ( فإذا
بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) دل ذلك على أنه أراد الرجعي .
أحكام القرآن — صفحة 613
مساهمون: الجصاص
ص٦١٣