الأحوال المذكورة لهن ، فيكون إحصاؤها لمعان ، أحدها : لما يريد من رجعة وإمساك أو
تسريح وفراق . والثاني : مراعاة حالها في بقائها على الحال التي طلقت عليها من غير
حدوث حال يوجب انتقال عدتها إليها . والثالث : لكي إذا بانت يشهد على فراقها ويتزوج
من النساء غيرها ممن لم يكن يجوز له جمعها إليها ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضائها .
وذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون : " إن طلاق السنة
واحدة ، وأن من طلاق السنة أيضا إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة ،
فذكروا أن الأول هو السنة والثاني أيضا سنة ، فكيف يكون شئ وخلافه سنة ! ولو جاز
ذلك لجاز أن يكون حراما حلالا ، ولو قال : إن الثاني رخصة كان أشبه " . قال أبو بكر :
وهذا كلام من لا تعلق له بمعرفة أصول العبادات وما يجوز وروده منها مما لا يجوز ،
ولا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادة بمثله ، إذ جائز أن يكون السنة في الطلاق
أن يخير بين إيقاع الواحدة في طهر والاقتصار عليها وبين أن يطلق بعدها في الطهر الثاني
والثالث ، وجميع ذلك مندوب إليه ، ويكون مع ذلك أحد الوجهين أحسن من الآخر كما
قال تعالى : ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن
ثيابهن ) [ النور : 60 ] ، ثم قال : ( وأن يستعففن خير لهن ) [ النور : 60 ] ، وخير الله
الحانث في يمينه بين أحد أشياء ثلاثة وأيها فعل كان فرضه . وقوله : " ولو جاز ذلك لجاز
أن يكون حلالا حراما " يوجب نفي التخيير في شئ من السنن والفروض كما امتنع أن
يكون شئ واحد حراما حلالا ، وعوار هذا القول وفساده أظهر من أن يحتاج إلى
الإطناب في الرد على قائله . وروي نحو قولنا بعينه عن ابن مسعود وجماعة من التابعين .
وقوله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) فيه نهي للزوج عن اخراجها
ونهي لها من الخروج ، وفيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة لأن بيوتهن
التي نهى الله عن اخراجها منها هي البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق ، فأمر بتبقيتها
في بيتها ونسبها إليها بالسكنى كما قال : ( وقرن في بيوتكن ) [ الأحزاب : 33 ] ، وإنما
البيوت كانت للنبي صلى الله عليه وسلم . ولهذه الآية قال أصحابنا : " لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد
على رجعتها " ومنعوها من السفر في العدة . قال أبو بكر : ولا خلاف نعلمه بين أهل العلم
في أن على الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعي وأنه غير جائز له اخراجها من
بيتها .
وقوله تعالى : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) روي عن ابن عمر قال : " خروجها قبل
انقضاء العدة فاحشة " ، وقال ابن عباس : " إلا أن تبذو على أهله فإذا فعلت ذلك حل لهم
أن يخرجوها " . وقال الضحاك : " الفاحشة المبينة عصيان الزوج " . وقال الحسن وزيد بن
أحكام القرآن — صفحة 607
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٧