على أن من كان في التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم ، مثل زواج الابنة وأم المرأة
والمحرمات من الرضاع ونحوهن . وروي عن سعيد بن جبير أنه سئل عن الرجل ينظر إلى
شعر أجنبية ، فكرهه وقال : ليس في الآية . قال أبو بكر : إنه وإن لم يكن في الآية فهو في
معنى ما ذكر فيها من الوجه الذي ذكرنا ، وهذا الذي ذكر من تحريم النظر في هذه الآية
إلا ما خص منه إنما هو مقصور على الحرائر دون الإماء ، وذلك لأن الإماء لسائر
الأجنبيين بمنزلة الحرائر لذوي محارمهن فيما يحل النظر إليه ، فيجوز للأجنبي النظر إلى
شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها كما يجوز لذوي المحرم النظر إلى ذات
محرمه ، لأنه لا خلاف أن للأجنبي النظر إلى شعر الأمة . وروي أن عمر كان يضرب
الإماء ويقول : " اكشفن رؤوسكن ولا تتشبهن بالحرائر " ، فدل على أنهن بمنزلة ذوات
المحارم . ولا خلاف أيضا أنه يجوز للأمة أن تسافر بغير محرم ، فكان سائر الناس لها
كذوي المحارم للحرائر حين جاز لهم السفر بهن ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج " فلما جاز
للأمة أن تسافر بغير محرم علمنا أنها بمنزلة الحرة لذوي محرمها فيما يستباح النظر إليه
منها . وقوله : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي
محرم أو زوج " دال على اختصاص ذي المحرم باستباحة النظر منها إلى كل ما لا يحل
للأجنبي ، وهو ما وصفنا بديا . وروى منذر الثوري أن محمد ابن الحنفية كان يمشط أمه ،
وروى أبو البختري أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمشط ،
وعن ابن الزبير مثله في ذات محرم منه . وروي عن إبراهيم : أنه لا بأس أن ينظر الرجل
إلى شعر أمه وأخته وخالته وعمته ، وكره الساقين . قال أبو بكر : لا فرق بينهما في
مقتضى الآية . وروى هشام عن الحسن في المرأة تضع خمارها عند أخيها قال : " والله ما
لها ذلك " . وروى سفيان عن ليث عن طاوس : أنه كره أن ينظر إلى شعر ابنته وأخته .
وروى جرير عن مغيرة عن الشعبي : أنه كره أن يسدد الرجل النظر إلى شعر ابنته وأخته .
قال أبو بكر : وهذا عندنا محمول على الحال التي يخاف فيها أن تشتهى ، لأنه لو حمل
على الحال التي يأمن فيها الشهوة لكان خلاف الآية والسنة ولكان ذو محرمها والأجنبيون
سواء . والآية أيضا مخصوصة في نظر الرجال دون النساء ، لأن المرأة يجوز لها أن تنظر
من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر من الرجل وهو السرة فما فوقها وما تحت الركبة ،
والمحظور عليهن من بعضهن لبعض ما تحت السرة إلى الركبة .
وقوله تعالى : ( أو نسائهن ) . روي أنه أراد نساء المؤمنات .
قوله : ( أو ما ملكت أيمانهن ) ، تأوله ابن عباس وأم سلمة وعائشة أن للعبد أن
أحكام القرآن — صفحة 410
مساهمون: الجصاص
ص٤١٠