فقال : ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق ؟ " وليس في فعله ذلك دلالة على أنه رأى دخولها
بغير إذن محظورا ، ولكنه احتاط لنفسه ، وذلك مباح لكل أحد .
باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات
قال الله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) . قال أبو
بكر : معقول من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه ، فحذف ذكر ذلك
اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد ، وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن
سلمة بن أبي الطفيل عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا علي إن لك كنزا في الجنة
وإنك ذو وفر منها فلا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية " . وروى
الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابن آدم لك أول نظرة
وإياك والثانية " . وروى أبو زرعة عن جرير : " أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة
فأمرني أن أصرف بصري " . قال أبو بكر : " إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله : " لك النظرة الأولى " إذا لم
تكن عن قصد ، فأما إذا كانت عن قصد فهي والثانية سواء ، وهو على ما سأل عنه جرير
من نظرة الفجاءة ، وهو مثل قوله : ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه
مسؤولا [ الإسراء : 36 ] .
وقوله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هو على معنى ما نهي الرجال عنه
من النظر إلى ما حرم عليه النظر إليه .
وقوله تعالى : ( ويحفظوا فروجهم ) وقوله : ( ويحفظن فروجهن ) فإنه روي عن
أبي العالية أنه قال : كل آية في القرآن : " يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن " من الزنا ،
إلا التي في النور : ( يحفظوا فروجهم ) ( ويحفظن فروجهن ) أن لا ينظر إليها أحد . قال
أبو بكر : هذا تخصيص بلا دلالة ، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر
ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر ، وكذلك سائر الآي المذكورة في هذا الموضع
في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم الدلالة على أن المراد بعض ذلك دون
بعض ، وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في إيجاب التخصيص في النظر لما تقدم من
الأمر بغض البصر ، وما ذكره لا يوجب ذلك لأنه لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض البصر
وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة ، وعلى أنه إن كان المراد
حظر النظر فلا محالة إن اللمس والوطء مرادان بالآية إذ هما أغلظ من النظر ، فلو نص
الله على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء واللمس كما أن قوله :
( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) [ الإسراء : 23 ] قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب
والضرب .
أحكام القرآن — صفحة 407
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٧