قالت : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال : " لا أرى هذا يعلم ما ههنا ،
لا يدخلن عليكن " ، فحجبوه . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة : أن
النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعنده مخنث ، فأقبل على أخي أم سلمة فقال : يا عبد الله لو فتح
الله لكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان : فقال : " لا أرى
هذا يعرف ما ههنا لا يدخل عليكم " . فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه
من غير أولي الإربة ، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة
فحجبه .
وقوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) ، قال مجاهد :
" هم الذين لا يدرون ما هن من الصغر " . وقال قتادة : الذين لم يبلغوا الحلم منكم " .
قال أبو بكر : قول مجاهد أظهر لأن معنى أنهم لم يظهروا على عورات النساء إنهم
لا يميزون بين عورات النساء والرجال لصغرهم وقلة معرفتهم بذلك ، وقد أمر الله تعالى
الطفل الذي قد عرف عورات النساء بالاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله : ( ليستأذنكم
الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) وأراد به الذي عرف ذلك واطلع
على عورات النساء ، والذي لا يؤمر بالاستئذان أصغر من ذلك . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال : " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " ، فلم
يأمر بالتفرقة قبل العشر وأمر بها في العشر ، لأنه قد عرف ذلك في الأكثر الأعم ولا يعرفه
قبل ذلك في الأغلب .
وقوله تعالى : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . روى أبو
الأحوص عن عبد الله قال : " هو الخلخال " ، وكذلك قال مجاهد : " إنما نهيت أن تضرب
برجليها ليسمع صوت الخلخال " وذلك قوله : ( ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . قال أبو
بكر : قد عقل من معنى اللفظ النهي عن إبداء الزينة وإظهارها لورود النص في النهي عن
إسماع صوتها ، إذ كان إظهار الزينة أولى بالنهي مما يعلم به الزينة ، فإذا لم يجز بأخفى
الوجهين لم يجز بأظهرهما ، وهذا يدل على صحة القول بالقياس على المعاني التي قد
علق الأحكام بها ، وقد تكون تلك المعاني تارة جلية بدلالة فحوى الخطاب عليها وتارة
خفية يحتاج إلى الاستدلال عليها بأصول أخر سواها . وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن
رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب ، إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من
صوت خلخالها ، ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة
منهية عن ذلك ، وهو يدل أيضا على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذ كان ذلك أقرب
إلى الريبة وأولى بالفتنة .
أحكام القرآن — صفحة 412
مساهمون: الجصاص
ص٤١٢