قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . روي عن ابن عباس ومجاهد
وعطاء في قوله : ( إلا ما ظهر منها ) قال : " ما كان في الوجه والكف ، الخضاب
والكحل " ، وعن ابن عمر مثله ، وكذلك عن أنس . وروي عن ابن عباس أيضا : " أنها
الكف والوجه والخاتم " . وقالت عائشة : " الزينة الظاهرة : القلب والفتخة " . وقال أبو
عبيدة : " الفتخة ، الخاتم " . وقال الحسن : " وجهها وما ظهر من ثيابها " . وقال سعيد بن
المسيب : " وجهها مما ظهر منها " . وروى أبو الأحوص عن عبد الله قال : " الزينة زينتان :
زينة باطنة لا يراها إلا الزوج الإكليل والسوار والخاتم ، وأما الظاهرة فالثياب " . وقال
إبراهيم : " الزينة الظاهرة الثياب " .
قال أبو بكر : قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) إنما أراد به
الأجنبيين دون الزوج وذوي المحارم ، لأنه قد بين في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في
ذلك . وقال أصحابنا : المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم
زينة الكف ، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة
النظر إلى الوجه والكفين . ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها
تصلي مكشوفة الوجه واليدين ، فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو
عورة ، وإذا كان كذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة ،
فإن كان يشتهيها إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر مثل أن يريد تزويجها أو الشهادة عليها أو
حاكم يريد أن يسمع إقرارها . ويدل على أنه لا يجوز له النظر إلى الوجه لشهوة قوله صلى الله عليه وسلم
لعلي : " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة " ، وسأل جرير
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال : " اصرف بصرك " ولم يفرق بين الوجه وغيره ، فدل
على أنه أراد النظرة بشهوة ، وإنما قال : " لك الأولى " لأنها ضرورة : " وليس لك الآخرة "
لأنها اختيار . وإنما أباحوا النظر إلى الوجه والكفين وإن خاف أن يشتهي لما ذكرنا من
الأعذار للآثار الواردة في ذلك ، منها : ما روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من
الأنصار فقال ، له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا " يعني الصغر .
وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم فقدر على أن يرى منها ما يعجبه ويدعوه
إليها فليفعل " . وروى موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبي حميد وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما
ينظر إليها للخطبة " . وروى سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
وروى عاصم الأحول عن بكير بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال : خطبنا امرأة فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " نظرت إليها ؟ " فقلت : لا ، فقال : " انظر فإنه لأجدر أن يؤدم بينكما " . فهذا
أحكام القرآن — صفحة 408
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٨