الدخول ، وظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح الحديث فمعناه
عندنا فيمن اطلع في دار قوم ناظرا إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في
حال الممانعة ، فهذا هدر ، وكذلك من دخل دار قوم أو أراد دخولها فمانعوه فذهبت عينه
أو شيء من أعضائه فهو هدر ، ولا يختلف فيه حكم الداخل والمطلع فيها من غير
دخول . فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم تقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء انسان ففقأ عينه
فهذا جان يلزمه حكم جنايته بظاهر قوله تعالى : ( والعين بالعين ) إلى قوله : ( والجروح
قصاص ) [ المائدة : 45 ] .
قوله تعالى : ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) ، قد تضمن
ذلك معنيين ، أحدهما : أنه لا ندخل بيوت غيرنا إلا بإذنه ، والثاني : إنه إذا أذن لنا جاز
لنا الدخول ، واقتضى ذلك جواز قبول الإذن ممن أذن صبيا كان أو امرأة أو عبدا أو ذميا ،
إذ لم تفرق الآية بين شيء من ذلك ، وهذا أصل في قبول أخبار المعاملات من هؤلاء
وأنه لا تعتبر فيها العدالة ولا تستوفي فيها صفات الشهادة ، ولذلك قبلوا أخبار هؤلاء في
الهدايا والوكالات ونحوها .
باب في الاستئذان على المحارم
روى شعبة عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد قال : " سأل رجل حذيفة : أأستأذن
على أختي ؟ قال : إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك " . وروي عن ابن عيينة عن عمرو
عن عطاء قال : " سألت ابن عباس : أأستأذن على أختي ؟ قال : نعم ، قال قلت : إنها معي
في البيت وأنا أنفق عليها ، قال : استأذن عليها " . وروى سفيان عن مخارق عن طارق
قال : " قال رجل لابن مسعود : أأستأذن على أمي ؟ قال : نعم " . وروى سفيان عن زيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : أأستأذن على أمي ؟ قال : " نعم ،
أتحب أن تراها عريانة ؟ " . وقال عمرو عن عطاء : " سألت ابن عباس : أأستأذن على أختي
وأنا أنفق عليها ؟ قال : نعم أتحب أن تراها عريانة ؟ إن الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا
ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) " . فلم يؤمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث .
ثم قال : ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) ولم
يفرق بين من كان منه أجنبيا أو ذا رحم محرم ، إلا أن أمر ذوي المحارم أيسر لجواز
النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوهما من الأعضاء .
وقوله تعالى : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) بعد قوله : ( فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره عن
أحكام القرآن — صفحة 405
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٥