قتلوا . وروى الزهري قال : أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة ، أن الجارود سيد بني
عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد عمر أن يجلده ،
فقال قدامة : ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جناح ) الآية ! فقال عمر : إنك قد أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت اجتنبت
ما حرم الله تعالى عليك . فلم يحكموا على قدامة بحكمهم على الذين شربوها بالشام ،
ولم يكن حكمه حكمهم ، لأن أولئك شربوها مستحلين لها ، ومستحل ما حرم الله كافر ،
فلذلك استتابوهم . وأما قدامة بن مظعون فلم يشربها مستحلا لشربها ، وإنما تأول الآية
على أن الحال التي هو عليها ووجود الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة
لذنوبه ، وهو قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا
ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب
المحسنين ) فكان عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع
اعتقاده لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته . وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ثلاث مرات والمراد
بكل واحد منها غير المراد بالأخرى ، فأما الأول : فمن اتقى فيما سلف ، والثاني : الاتقاء
منهم في مستقبل الأوقات ، والثالث : اتقاء ظلم العباد والإحسان إليهم .
باب الصيد للمحرم
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد ) قيل في موضع
" من " ههنا إنها للتبعيض ، بأن يكون المراد صيد البر دون صيد البحر وصيد الإحرام دون
صيد الإحلال . وقيل إنها للتمييز ، كقوله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) [ الحج :
30 ] وقولك : " باب من حديد " و " ثوب من قطن " . وجائز أن يريد ما يكون من أجزاء
الصيد وإن لم يكن صيدا ، كالبيض والفرخ ، لأن البيض من الصيد ، وكذلك الفرخ
والريش وسائر أجزائه ، فتكون الآية شاملة لجميع هذه المعاني ، ويكون المحرم بعض
الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال الإحرام ، ويفيد أيضا تحريم ما كان من
أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ والوبر وغيره . وقد روي عن ابن عباس في قوله
تعالى : ( تناله أيديكم ) قال : " فراخ الطير وصغار الوحش " . وقال مجاهد : " الفراخ
والبيض " . وقد روي عن علي رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس
بيضات فقال : إنما محرمون وإنا لا نأكل ، فلم يقبلها " . وروى عكرمة عن ابن عباس عن
أحكام القرآن — صفحة 584
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٤