ابتدأه السبع فقتله فلا شئ عليه ، وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه الجزاء ، لعموم قوله
تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) . واسم الصيد واقع على كل ممتنع الأصل
متوحش ، ولا يختص بالمأكول منه دون غيره ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ليبلونكم الله
بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) [ المائدة : 94 ] فعلق الحكم منه بما تناله أيدينا
ورماحنا ، ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل . ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء
المذكورة في الخبر وذكر معها الكلب العقور ، فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب
العقور دليلا على أن كل ما ابتدأ الانسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله ، لأن
الأشياء المذكورة من شأنها أن تبتدئ بالأذى ، فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب
وإن كانت قد لا تبتدئ في حال ، لأن الأحكام إنما تتعلق في الأشياء بالأعم الأكثر ، ولا
حكم للشاذ النادر . ثم لما ذكر الكلب العقور - وقيل هو الأسد - فإنما أباح قتله إذا قصد
بالعقر والأذى ، وإن كان الذئب فذلك من شأنه في الأغلب ، فما خصه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك
بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية ، وما لم يخصه ولم تقم دلالة
تخصيصه فهو محمول على عمومها . ويدل عليه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم " . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب
من السباع ، والضبع من ذي الناب من السباع ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كبشا .
فإن قيل : هلا قست على الخمس ما كان في معناها وهو مالا يؤكل لحمه ! قيل
له : إنما خص هذه الأشياء الخمسة من عموم الآية ، وغير جائز عندنا القياس على
المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص ، فلما لم تكن
للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل . وقد بينا وجه
دلالته على ما يبتدئ الانسان بالأذى من السباع ، وكونه غير مأكول اللحم لم تقم عليه
دلالة من فحوى الخبر ولا علته مذكورة فيه ، فلم يجز اعتباره . وأيضا فإنه لا خلاف فيما
ابتدأ المحرم في سقوط الجزاء ، فجاز تخصيصه بالإجماع وبقي حكم عموم الآية فيما لم
يخصه الخبر ولا الاجماع . وعن أصحابنا من يأبى القياس في مثله ، لأنه حصره بعدد
فقال : " خمس يقتلهن المحرم " وفي ذلك دليل على أن ما عداه محظور ، فغير جائز
استعمال القياس في اسقاط دلالة اللفظ . ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه غير
مأكول ، لأن ذلك نفي والنفي لا يكون علة ، وإنما العلل أوصاف ثابتة في الأصل
المعلول ، وأما نفي الصفة فليس يجوز أن يكون علة . فإن غير الحكم بإثبات وصف
وجعل العلة أنه محرم الأكل لم يصح ذلك أيضا ، لأن التحريم هو الحكم بنفي الأكل ،
أحكام القرآن — صفحة 587
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٧