صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله " ، وروى عنه يونس أيضا أنه لا
يؤكل . وروى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم قال : " يأكله
الحلال " . وعن عطاء : " إذا أصاب المحرم الصيد لا يأكله الحلال " . وقال الحكم
وعمرو بن دينار : " يأكله الحلال " . وهو قول سفيان . وقد ذكرنا دلالة الآية على تحريم ما
أصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى ، ويدل على أن تحريمه عليه من طريق الدين
على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي والوثني وما ترك فيه التسمية أو شئ من
شرائط الذكاة ، وليس بمنزلة الذبح بسكين مغصوب أو ذبح شاة مغصوبة ، لأن تحريمه
تعلق بحق آدمي ، ألا ترى أنه لو أباحه جاز فلم يمنع صحة الذكاة ؟ إذ كانت الذكاة حقا لله
تعالى ، فشروطها ما كان حقا لله تعالى .
باب ما يقتله المحرم
قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) لما كان خاصا في صيد البر دون صيد
البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص ، اقتضى عمومه تحريم سائر صيد البر إلا
ما خصه الدليل . وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم : الحية والعقرب والغراب والفأرة والكلب
العقور " على اختلاف منهم في بعضها ، وفي بعضها : " هن فواسق " . وروي عن أبي هريرة
قال : " الكلب العقور والأسد " . وروى حجاج بن أرطاة عن وبرة قال : سمعت ابن عمر
يقول : " أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الذئب والفأرة والغراب والحدأة " . فذكر في هذا الحديث
الذئب . وذكر القعنبي عن مالك قال : " الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل
الناس وعدا عليهم ، مثل الأسد والنمر والذئب وهو الكلب العقور ، وأما ما كان من
السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهرة وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم ،
فإن قتل منهن شيئا فداه " . قال أبو بكر : قد تلقى الفقهاء هذا الخبر بالقبول واستعملوه في
إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم ، وقد اختلف في الكلب العقور ، فقال أبو هريرة على
ما قدمنا الرواية فيه : " إنه الأسد " ويشهد لهذا التأويل أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي
لهب فقال : " أكلك كلب الله ! " فأكله الأسد . قيل له : إن الكلب العقور هو الذئب ،
وروي في بعض أخبار ابن عمر في موضع " الكلب " " الذئب " ، ولما ذكر الكلب العقور
أفاد بذلك كلبا من شأنه العدو على الناس وعقرهم ، وهذه صفة الذئب ، فأولى الأشياء
بالكلب ههنا الذئب . وقد دل على أن كل ما عدا على المحرم وابتدأه بالأذى فجائز له
قتله من غير فدية ، لأن فحوى ذكره الكلب العقور يدل عليه ، وكذلك قال أصحابنا فيمن
أحكام القرآن — صفحة 586
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٦