يشربان نبيذ الزبيب والتمر يخلطانه ، فقيل له : يا أبا طلحة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا !
فقال : " إنما نهى عنه للعوز في ذلك الزمان كما نهى عن الإقران " . وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
في هذا الباب كثير ، وقد ذكرنا منه طرفا في كتابنا " الأشربة " وكرهت التطويل بإعادته
هنا . وما روي عن أحد من الصحابة والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا فيما
نعلمه ، وإنما روي عنهم تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يرد من العصير إلى الثلث ،
إلى أن نشأ قوم من الحشو تصنعوا عند العامة بالتشديد في تحريمه ، ولو كان النبيذ محرما
لورد النقل به مستفيضا لعموم البلوى كانت به ، إذ كانت عامة أشربتهم نبيذ التمر والبسر ،
كما ورد تحريم الخمر وقد كانت بلواهم بشرب النبيذ أعم منها بشرب الخمر لقلتها كانت
عندهم ، وفي ذلك دليل على بطلان قول موجبي تحريمه . وقد استقصينا الكلام في ذلك
من سائر وجوهه في " الأشربة " .
وأما الميسر فقد روي عن علي أنه قال : " الشطرنج من الميسر " . وقال عثمان
وجماعة من الصحابة والتابعين : " النرد " . وقال قوم من أهل العلم : " القمار كله من
الميسر " . وأصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه ، وهو السهام التي
يجيلونها ، فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم ، فربما أخفق بعضهم حتى
لا يخطئ بشئ وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر ، وحقيقته تمليك المال على
المخاطرة . وهو أصل في بطلان عقود التمليكات الواقعة على الأخطار ، كالهبات
والصدقات وعقود البياعات ونحوها ، إذا علقت على الأخطار ، بأن يقول : " قد بعتك إذا
قدم زيد " و " وهبته لك إذا خرج عمرو " لأن معنى إيسار الجزور أن يقول : من خرج سهمه
استحق من الجزور كذا ، فكان استحقاقه لذلك السهم منه معلقا على الخطر .
والقرعة في الحقوق تنقسم إلى معنيين ، أحدهما : تطييب النفوس من غير إحقاق
واحد من المقترعين ولا بخس حظه مما اقترعوا عليه ، مثل القرعة في القسمة وفي قسم
النساء وفي تقديم الخصوم إلى القاضي . والثاني : مما ادعاه مخالفونا في القرعة بين عبيد
أعتقهم المريض ولا مال له غيرهم ، فقول مخالفينا هنا من جنس الميسر المحظور بنص
الكتاب لما فيه من نقل الحرية عمن وقعت عليه إلى غيره بالقرعة ، ولما فيه أيضا من
إحقاق بعضهم وبخس حقه حتى لا يخطئ منه بشئ واستيفاء بعضهم حقه وحق غيره ،
ولا فرق بينه وبين الميسر في المعنى .
وأما الأنصاب فهي ما نصب للعبادة من صنم أو حجر غير مصور ، أو غير ذلك من
سائر ما ينصب للعبادة .
وأما الأزلام فهي القداح ، وهي سهام كانوا يجعلون عليها علامات " افعل " و " لا
أحكام القرآن — صفحة 582
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٢