تفعل " ونحو ذلك ، فيعملون في سائر ما يهتمون به من أعمالهم على ما تخرجه تلك
السهام من أمر أو نهي أو إثبات أو نفي ، ويستعملونها في الأنساب أيضا إذا شكوا فيها ،
فإن خرج " لا " نفوه ، وإن خرج " نعم " أثبتوه ، وهي سهام الميسر أيضا .
وأما قوله : " رجس من عمل الشيطان ) . فإن الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما
لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به عباده أو تعظيم ، لأنه يقال : " رجس نجس " فيراد
بالرجس النجس ، ويتبع أحدهما الآخر ، كقولهم : " حسن بسن " و " عطشان نطشان " وما
جرى مجرى ذلك . والرجز قد قيل فيه إنه العذاب في قوله تعالى : ( لئن كشفت عنا
الرجز ) [ الأعراف : 134 ] أي العذاب . وقد يكون في معنى الرجس كما في قوله :
والرجز فاهجر ) [ المدثر : 5 ] وقوله : ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) [ الأنفال : 11 ] .
وإنما قال تعالى : ( من عمل الشيطان ) لأنه يدعو إليه ويأمر به ، فأكد بذلك أيضا حكم
تحريمها ، إذ كان الشيطان لا يأمر إلا بالمعاصي والقبائح والمحرمات ، وجازت نسبته إلى
الشيطان على وجه المجاز ، إذ كان هو الداعي إليه والمزين له ، ألا ترى أن رجلا لو
أغرى غيره بضرب غيره أو بسبه وزينه له جاز أن يقال له هذا من عملك ؟ .
قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
والميسر ) الآية ، فإنما يريد به ما يدعو الشيطان إليه ويزينه من شرب الخمر حتى يسكر
منها شاربها فيقدم على القبائح ويعربد على جلسائه فيؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء ،
وكذلك القمار يؤدي إلى ذلك ، قال قتادة : " كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر ويبقى
حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء " . ومن الناس من يستدل به على تحريم النبيذ ،
إذ كان السكر منه يوجب من العداوة والبغضاء مثل ما يوجبه السكر في الخمر ، وهذا
المعنى لعمري موجود فيما يوجب السكر منه غير موجود فيما لا يوجبه ، ولا خلاف في
تحريم ما يوجب السكر منه ، وأما قليل الخمر فليست هذه العلة موجودة فيه فهو محرم
لعينه ، وليس فيه علة تقتضي تحريم قليل النبيذ .
قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) قال ابن
عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : " لما
حرم الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر قبل أن
تحرم ، فقالت الصحابة : كيف بمن مات منا وهم يشربونها ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية " .
وروى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي : أن قوما شربوا بالشام
وقالوا هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية ، فأجمع عمر وعلي على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا
أحكام القرآن — صفحة 583
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٣