ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه ، فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز مثله في
الاسلام . وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع ، وكانوا يدفعون إلى ضرورة لأنهم
كانوا نشرا لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع القوي عن الضعيف ،
فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض ، وكان ذلك معظم ما
يراد الحلف من أجله ، ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار وهو أن يجير الرجل أو
الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه منهم ، فجائز أن يكون أراد
بقوله : " لا حلف في الاسلام " هذا الضرب من الحلف . وقد كانوا يحتاجون إلى الحلف
في أول الاسلام لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين ،
فلما أعز الله الاسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم ، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم
باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يدا واحدة على أعدائهم من الكفار بما
أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) [ التوبة : 71 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" المؤمنون يد على من سواهم " ، وقال : " ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل
لله ، والنصيحة لولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم " .
فزال التناصر بالحلف وزال الجوار ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " ولعلك أن
تعيش حتى ترى المرأة تخرج من القادسية إلى اليمن بغير جوار " ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" لا حلف في الاسلام " . وأما قوله : " وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الاسلام إلا
شدة " فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوز في العقول مستحسن فيها ، نحو الحلف
الذي عقده الزبير بن عبد المطلب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أحب أن لي بحلف حضرته حمر
النعم في دار ابن جدعان وأني أغدر به : هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم
ما بل بحر صوفه ، ولو دعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت وهو حلف الفضول " . وقيل إن
الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسي في المعاش ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا
الحلف قبل النبوة وأنه لو دعي إلى مثله في الاسلام لأجاب ، لأن الله تعالى قد أمر
المؤمنين بذلك ، وهو شئ مستحسن في العقول ، بل واجب فيها قبل ورود الشرع ،
فعلمنا أن قوله : " لا حلف في الاسلام " إنما أراد به الذي لا تجوزه العقول ولا تبيحه
الشريعة . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حضرت حلف المطيبين وأنا غلام ، وما أحب أن
أحكام القرآن — صفحة 369
مساهمون: الجصاص
ص٣٦٩