ونحوها من البياعات المجهولة والمعقود على غرر ، جميع ذلك مخصوص من ظاهر
قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) .
وقد قرئ قوله : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض ) بالنصب والرفع ، فمن قرأها
بالنصب كان تقديره : إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض ، فتكون التجارة الواقعة عن
تراض مستثناة من النهي عن أكل المال ، إذ كان أكل المال بالباطل قد يكون من جهة
التجارة ومن غير جهة التجارة ، فاستثنى التجارة من الجملة وبين أنها ليست أكل المال
بالباطل . ومن قرأها بالرفع كان تقديره : إلا أن تقع تجارة ، كقول الشاعر :
فدى لنبي شيبان رحلي وناقتي * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
يعني : إذا حدث يوم كذلك .
وإذا كان معناه على هذا كان النهي عن أكل المال بالباطل على إطلاقه لم يستثن منه
شئ ، وكان ذلك استثناء منقطعا بمنزلة : لكن إن وقعت تجارة عن تراض فهو مباح .
وقد دلت هذه الآية على بطلان قول القائلين بتحريم المكاسب ، لإباحة الله التجارة
الواقعة عن تراض ، ونحوه قوله تعالى : ( وأحل الله البيع ) [ البقرة : 275 ] ، وقوله
تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) [ الجمعة : 10 ] ،
وقوله تعالى : ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في
سبيل الله ) [ المزمل : 20 ] ، فذكر الضرب في الأرض للتجارة وطلب المعاش مع الجهاد
في سبيل الله ، فدل ذلك على أنه مندوب إليه ، والله تعالى أعلم وبالله التوفيق .
باب خيار المتبايعين
اختلف أهل العلم في خيار المتبايعين ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر
والحسن بن زياد ومالك بن أنس : " إذا عقد بيع بكلام فلا خيار لهما وإن لم يتفرقا " ،
وروي نحوه عن عمر بن الخطاب . وقال الثوري والليث وعبيد الله بن الحسن والشافعي :
" إذا عقدا فهما بالخيار ما لم يتفرقا " . وقال الأوزاعي : " هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا في
بيوع ثلاثة : بيع مزايدة الغنائم والشركة في الميراث والشركة في التجارة ، فإذا صافقه فقد
وجب وليسا فيه بالخيار " . ووقت الفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ، وقال
الليث : " التفرق أن يقوم أحدهما " . وكل من أوجب الخيار يقول : إذا خيره في المجلس
فاختار فقد وجب البيع . وروى خيار المجلس عن ابن عمر .
قال أبو بكر : قوله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
أحكام القرآن — صفحة 220
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٠