وجهين : إما أن يكون المراد إعطاءهن المهر بشرط إذن المولى فيه ، فيكون الإذن
المذكور بديا مضمرا في إعطائها المهر كما كان مشروطا في التزويج ، فيكون تقديره :
فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بإذنهم ، فيدل ذلك على أنه غير جائز إعطاؤهن
المهر إلا بإذن المولى ، وهو كقوله تعالى : ( والحافظين فروجهم والحافظات )
[ الأحزاب : 35 ] والمعنى : والحافظات فروجهن ، وقوله تعالى : ( والذاكرين الله كثيرا
والذاكرات ) [ الأحزاب : 35 ] ومعناه : والذاكرات الله ، وتكون دلالة هذا الضمير ما في
الآية من نفي ملكها لتزويجها نفسها وأن المولى أملك بذلك منها ، وقوله تعالى : ( ضرب
الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ) [ النحل : 75 ] فنفي ملكه نفيا عاما ، وفيه
الدلالة على أن الأمة لا تستحق مهرها ولا تملكه . والوجه الآخر أن يكون أضاف الإعطاء
إليهن والمراد المولى ، كما لو تزوج صبية صغيرة أو أمة صغيرة بإذن الأب والمولى جاز
أن يقال أعطهما مهريهما ، ويكون المراد إعطاء الأب أو المولى ، ألا ترى أنه يصح أن
يقال لمن عليه دين ليتيم قد مطله به إنه مانع لليتيم حقه وإن كان اليتيم لا يستحق قبضه
ويقال أعط اليتيم حقه ؟ وقال تعالى : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل )
[ الاسراء : 26 ] وقد انتظم ذلك الصغار والكبار من أهل هذه الأصناف ، وإعطاء الصغار
إنما يكون بإعطاء أوليائهم فكذلك جائز أن يكون المراد بقوله : ( وآتوهن ) إيتاء من
يستحق ذلك من مواليهن .
وزعم بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها وأن المولى إذا
آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجر دونها ، واحتج للمهر بقوله تعالى : ( وآتوهن
أجورهن ) وقد بينا وجه ذلك ومعناه ، وعلى أنه إن كان المهر يجب لها لأنه بدل بضعها
فكذلك يجب أن تكون الأجرة لها لأنه بدل منافعها . ومن حيث كان المولى هو المالك
لمنافعها كما كان مالكا لبضعها ، فمن استحق الأجرة دونها فواجب أن يستحق قبض المهر
دونها ، لأنه بدل ملك المولى لا ملكها لأنها لا تملك منافع بضعها ولا منافع بدنها ،
والمولى هو العاقد في الحالين وبه تمت الإجارة والنكاح ، فلا فرق بينهما . وحكى هذا
القائل أن بعض العراقيين أجاز أن يزوج المولى أمته عبده بغير صداق ، وهذا خلاف
الكتاب زعم . قال أبو بكر : ما أشد إقدام مخالفينا على الدعاوى على الكتاب والسنة !
ومن راعى كلامه وتفقد ألفاظه قلت دعاويه بما لا سبيل له إلى إثباته ، فإن كان هذا القائل
إنما أراد أنهم أجازوا أن يزوج أمته عبده بغير تسمية مهر ، فإن كتاب الله تعالى قد حكم
بجواز ذلك في قوله تعالى : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا
لهن فريضة ) [ البقرة : 236 ] فحكم بصحة الطلاق في نكاح لا مهر فيه مسمى . فدعواه
أحكام القرآن — صفحة 210
مساهمون: الجصاص
ص٢١٠