مستعملا فيما هو حقيقة فيه وهو المرض ، ويكون العدو داخلا فيه بالمعنى . فإن قيل :
فقد حكي عن الفراء أنه أجاز فيهما لفظ الإحصار . قيل له : لو صح ذلك كانت دلالة الآية
قائمة في إثباته في المرض ، لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض ، وإنما أجازه في
العدو ، فلو وقع الاسم على الأمرين لكان عموما فيهما موجبا للحكم في المريض
والمحصور بالعدو جميعا ، فإن قيل : لم تختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن
الحديبية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممنوعين بالعدو ، فأمرهم الله بهذه الآية بالإحلال من
الإحرام ، فدل على أن المراد بالآية هو العدو ، قيل له : لما كان سبب نزول الآية هو
العدو ، ثم عدل عن ذكر الحصر وهو يختص بالعدو إلى الإحصار الذي يختص بالمرض ،
دل ذلك على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره ، ولما أمر
النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال وحل هو ، دل على أنه أراد حصر العدو من طريق المعنى لا
من جهة اللفظ ، فكان نزول الآية مفيدا للحكم في الأمرين . ولو كان مراد الله تعالى
تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظا يختص به دون غيره ، ومع ذلك لو كان
اسما للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبا للاقتصار بحكمه عليه ، بل كان الواجب
اعتبار عموم اللفظ دون السبب .
ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
مسدد قال : حدثنا يحيى عن حجاج الصواف قال : حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة
قال : سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كسر أو عرج
فقد حل وعليه الحج من قابل ) قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة ، فقالا : صدق ،
ومعنى قوله ( فقد حل ) فقد جاز له أن يحل ، كما يقال : حلت المرأة للزوج ، يعني جاز
لها أن تتزوج .
فإن قيل : روى حماد وابن زيد عن أيوب عن عكرمة أنه قال في المحصر يبعث
بالهدي : ( فإذا بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل ) ، وقال : ( رضي الله سبحانه
بالقصاص من عباده ويأخذ منهم العدوان عليه حج مكان حج وإحرام مكان إحرام ) .
فزعم هذا القائل إنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما كان قال ( يبعث بالهدي ) ولقال
( يحل ) كما روي في الخبر . وهذا القائل إنما غلط حين ظن أن المعنى في قوله ( حل )
وقوع الإحلال بنفس الإحصار ، وليس هو كما ظن وإنما معناه أنه جاز له أن يحل كما
ذكرنا مثله فيما يطلقه الناس من قولهم ( حلت المرأة للأزواج ) يريدون به : قد جاز له أن
تحل بالتزويج .
ويدل عليه من جهة النظر أن المحصر بالعدو لما جاز له الإحلال لتعذر وصوله إلى
أحكام القرآن — صفحة 326
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٦