فأما حديث جابر في وجوب العمرة من طريق ابن لهيعة فهو ضعيف كثير الخطأ ،
يقال احترقت كتبه فعول على حفظه وكان سيئ الحفظ ، وإسناد حديث جابر الذي
رويناه في عدم وجوبها أحسن من إسناد حديث ابن لهيعة ، ولو تساويا لكان أكبر
أحوالهما أن يتعارضا فيسقطا جميعا ويبقى لنا حديث طلحة وابن عباس من غير معارض .
فإن قال قائل : ليس حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر الذي رويته
في نفي الإيجاب بمعارض لحديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر في إيجابها ، لأن حديث
الحجاج وارد على الأصل وحديث ابن لهيعة ناقل عنه ، ومتى ورد خبر أن أحدهما ناف
والآخر مثبت فالمثبت منهما أولى ، وكذلك إذا كان أحدهما موجبا والآخر غير موجب ،
لأن الإيجاب يقتضي حظر تركه ونفيه لا حظر فيه وخبر الحاضر أولى من المبيح . قيل
له : هذا لا يجب من قبل أن حديث ابن لهيعة في إيجابها لو كان ثابتا لورد النقل به
مستفيضا لعموم الحاجة إليه ولوجب أن يعرفه كل من عرف وجوب الحج ، إذ كان
وجوبها كوجوب الحج ومن خوطب به فهو مخاطب بها ، فغير جائز فيما كان هذا وصفه
أن يكون وروده من طريق الآحاد مع ما في سنده من الضعف ومعارضة غيره إياه . وأيضا
فمعلوم أن الروايتين وردتا عن رجل واحد ، فلو كان خبر الوجوب متأخرا في التاريخ عن
خبر نفيه لبينه جابر في حديثه ، ولقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة إنها تطوع ثم قال بعد
ذلك إنها واجبة ، إذ غير جائز أن يكون عنده الخبران جميعا مع علمه بتأريخهما فيطلق
رواية تارة بإيجاب وتارة بضده من غير ذكر تاريخ ، فدل ذلك على أن هذين الخبرين
وردا متعارضين ، وإنما يعتبر خبر المثبت والنافي على ما ذكرنا من الاعتبار إذا وردت
الروايتان من جهتين . وأما حديث سمرة وقوله ( فاعتمروا ) فإنه على الندب بالدلائل التي
قدمنا . فأما قوله حين سئل عن الاسلام فذكر الصلاة وغيرها ثم قال : ( وأن تحج وتعتمر )
فإن النوافل من الاسلام ، وكذلك كل ما يتقرب به إلى الله تعالى ، لأنه من شرائعه ، وقد
روي أن الاسلام بضع وسبعون خصلة منها إماطة الأذى عن الطريق . وأما قول صبي بن
معبد لعمر : ( وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي ) وسكوت عمر عنه وتركه النكير عليه ،
فإنه إنما قال هما مكتوبان علي ولم يقل مكتوبتان على الناس ، فظاهره يقتضى أن يكون
نذرهما فصارا مكتوبين عليه بالنذر . وأيضا فإنه إنما قاله تأويل منه للآية ، وفيه مساغ
للتأويل ، فلم ينكره عمر لاحتمالها له ، وهو بمنزلة قول القائل بوجوب العمرة فلا
يستحقون النكير إذ كان الاجتهاد سائغا فيه . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن
الحج عن أبيه وقوله : ( حج عن أبيك واعتمر ) فلا دلالة فيه على وجوبها ، لأنه لا خلاف
أن هذا القول لم يخرج مخرج الإيجاب إذ ليس عليه أن يحج عن أبيه ولا أن يعتمر .
أحكام القرآن — صفحة 323
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٣