والعمرة ، فبين حكمهم إذا مرضوا قبل الإحصار كما بين حكمهم عند الإحصار ، فليس إذا
في قوله : ( فمن كان منكم مريضا ) دلالة على أن المرض لا يكون إحصارا .
فإن قيل : لما قال في سياق الآية : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) دل
على أن مراده العدو المخوف ، لأن الأمن يقتضي الخوف . قيل له : ما الذي يمنع أن
يكون المراد الأمن ضرر المرض المخوف ؟ ولم جعلته مخصوصا بالعدو دون المرض
والأمن والخوف موجودان فيهما ؟ وقد روي عن عروة بن الزبير في قوله : ( فإذا أمنتم )
يعني : إذا أمنت من كسرك ووجعك فعليك أن تأتي البيت .
فإن قيل : الفرق بين العدو والمرض أن المحصر بعدو إن لم يمكنه أن يتقدم أمكنه
الرجوع ، والمريض لا يختلف حاله في التقدم والرجوع . قيل له : فهذا أحرى أن يكون
محصرا لتعذر الأمرين عليه ، فهو أعذر ممن يمكنه الرجوع وإن تعذر عليه المضي
للخوف ويقال أيضا : ما تقول في المحصر بالعدو إذا كان محيطا به ولم يمكنه الرجوع
ولا التقدم أليس جائزا له الإحلال بلا خلاف بين الفقهاء ؟ فقد انتقضت علتك في الفرق
بينهما ، ومع ذلك فقد قال الشافعي في المحرمة إذا منعها زوجها والمحبوس ( إنهما
محصران وجائز لهما الإحلال وحال التقدم والرجوع لهما سواء لأنهما ممنوعان من
الأمرين ) . وزعم الشافعي أن الفرق بين المريض والخائف أن الله تعالى قد أباح للخائف
في القتال أن يتحيز إلى فئة فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن ، فيقال له : وكذلك قد
أباح للمريض ترك القتال رأسا بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على
الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) فكانت رخصة المريض أوسع من رخصة الخائف ،
لأن الخائف غير معذور في ترك حضور القتال والمريض معذور فيه . وإنما عذر الخائف
أن يتحيز إلى فئة ولم يعذر في ترك القتال رأسا ، فالمريض أولى بالعذر في الإحلال من
إحرامه .
قال الشافعي - فلما قال الله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) ثم قال في شأن
المحصر الخائف ما قال ، وجب أن لا يزول فرض تمام الحج والعمرة إلا عن الخائف .
فيقال له : الذي قال : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) هو الذي قال : ( فإن أحصرتم ) وهو
عموم في الخائف وغيره ، فلا يخرج شئ منه إلا بدلالة ، فما الدلالة على تخصيصه
بالخائف دون غيره ؟ وقد نقضت ذلك بإطلاقك للمرأة الإحلال إذا منعها زوجها وليست
بخائفة ، وكذلك المحبوس لا يخاف القتل .
وقال المزني : جعل الإحلال رخصة للخائف من العدو ولا يشبه به غيره ، كما
جعل المسح على الخفين خاصا لا يشبه به القفازين ، فيقال له : إن كان المعني فيه أنه
أحكام القرآن — صفحة 328
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٨