ومن الناس من يحتج لإيجاب العمرة بقوله تعالى : ( وافعلوا الخير ) [ الحج : 77 ]
لأنها خير ، فظاهر اللفظ يقتضي إيجاب جميع الخير . وهذا يسقط من وجوه ، أحدها : أنه
يحتاج أن يثبت أن فعل العمرة مع اعتقاد وجوبها خيرا ، لأن من لا يراها واجبة فغير جائز
أن يفعلها على أنها واجبة ، ولو فعلها على هذا الاعتقاد لم يكن ذلك خيرا ، كمن صلى
تطوعا واعتقد فيه الفرض . وآخر : وهو أن قوله : ( وافعلوا الخير ) [ الحج : 77 ] لفظ
مجمل لاشتماله على المجمل الذي لا يلزم استعماله بورود اللفظ ، ألا ترى أنه يدخل
فيه الصلاة والزكاة والصوم وهذه كلها فروض مجملة ؟ ومتى انتظم اللفظ ما هو مجمل
فهو مجمل يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل من غيره . ووجه آخر : وهو أن الخير بالألف
واللام لفظ جنس لا يمكن استغراقه ، فيتناول أدنى ما يقع عليه الاسم كقولك : ( إن شربت
الماء وتزوجت النساء ) فإذا فعل أدنى ما يسمى به فقد قضى عهدة اللفظ . وأيضا فقد
علمنا مع ورود اللفظ أن المراد البعض لتعذر استيعاب الكل فصار كقوله : ( افعلوا بعض
الخير ) فيحتاج إلى بيان في لزوم الأمر .
واحتج من أوجبها بأنا لم نجد شيئا يتطوع به ، إلا وله أصل في الفرض ، فلو كانت
العمرة تطوعا لكان لها أصل في الفرض ، فيقال له : العمرة إنما هي الطواف والسعي
ولذلك أصل في الفرض ، فإن قيل : لا يوجد طواف وسعي مفردا فرضا غير العمرة ،
وإنما يوجد ذلك في الفرض تابعا . قيل له : قد يتطوع بالطواف بالبيت وإن لم يكن له
أصل في الفرض مفردا ، فكذلك العمرة يتطوع بها إذ كانت طوافا وسعيا وإن لم يكن لها
أصل في الفرض .
واحتج الشافعي بأنه لما جاز الجمع بينها وبين الحج دل على أنها فرض ، لأنها لو
كانت تطوعا ما جاز أن يعمل مع عمل الحج ، كما لا يجمع بين صلاتين إحداهما فرض
والأخرى تطوع ويجمع بين عمل أربع ركعات فرض . قال أبو بكر ، وهذه قضية فاسدة
يبطل عليه القول بوجوب العمرة ، لأنه يقال له : لما جاز الجمع بينهما ولم يجز بين
صلاتي فرض دل على أنها ليست بفرض ، وأما قوله : ( ويجمع بين عمل أربع ركعات )
فإن الأربع كلها صلاة واحدة كالحج الواحد المشتمل على سائر أركانه وكالطواف الواحد
المشتمل على سبعة أشواط ، وهو مع ذلك منتقض على أصله لأنه لو اعتمر ثم حج حجة
الفريضة وقرن معها عمرة كانت العمرة تطوعا والحج فرضا ، فقد صح الجمع بين الفرض
والنفل في الحج والعمرة ، فانتقض بذلك استدلال من استدل بجواز جمعها إلى الحج
على وجوبها .
واحتج الشافعي أيضا بأنه لما جعل لها ميقات كميقات الحج دل على أنها فرض .
أحكام القرآن — صفحة 324
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٤