فيقال له : إذا اعتمر عمرة الفريضة ورجع إلى أهله ثم أراد أن يرجع للعمرة كان لها
ميقات كميقات الحج وهي تطوع ، فشرط الميقات ليس بدلالة على الوجوب ، وكذلك
الحج التطوع له ميقات كميقات الواجب .
واحتج أيضا بوجوب الدم على القارن ولم يبين منه وجه الدلالة على الوجوب ،
ولكن ادعى دعوى عارية من البرهان ، ومع ذلك فإنه منتقض ، لأنه لو قرن حجة فريضة
مع عمرة تطوع لكان عليه دم ، فكذلك لو جمع بينهما وهما نافلتان لوجب الدم .
قوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) قال الكسائي وأبو عبيدة وأكثر
أهل اللغة : الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة ، والحصر حصر العدو ، ويقال :
أحصره المرض وحصره العدو . وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر ،
وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج وقالا : هما مختلفان في المعنى ، ولا يقال في المرض
حصره ولا في العدو أحصره . قالا : وإنما هذا كقولهم حبسه : إذا جعله في الحبس ،
وأحبسه : أي عرضه للحبس ، وقتله : أوقع به القتل ، وأقتله : أي عرضه للقتل ، وقبره :
دفنه في القبر ، وأقبره : عرضه للدفن في القبر ، وكذلك حصره : حبسه وأوقع به الحصر ،
وأحصره : عرضه للحصر .
وروى ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال : ( لا حصر إلا حصر عدو ، فأما
من حبسه الله بكسر أو مرض فليس بحصر ) فأخبر ابن عباس أن الحصر يختص بالعدو
وأن المرض لا يسمى حصرا ، وهذا موافق لقول من ذكرنا قولهم من أهل اللغة في معنى
الاسم . ومن الناس من يظن أن هذا يدل من قوله على أن المريض لا يجوز له أن يحل
ولا يكون محصرا ، وليس في ذلك دلالة على ما ظن لأنه إنما أخبر عن معنى الاسم ولم
يخبر عن معنى الحكم ، فاعلم أن اسم الإحصار يختص بالمرض والحصر يختص
بالعدو .
وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء : روي عن ابن مسعود وابن
عباس : ( العدو والمرض سواء يبعث بدم ويحل به إذا نحر في الحرم ) وهو قول أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري . والثاني : قول ابن عمر : ( أن المريض لا يحل ولا
يكون محصرا إلا بالعدو ) وهو قول مالك والليث والشافعي . والثالث : قول ابن الزبير
وعروة بن الزبير : ( إن المرض والعدو سواء لا يحل إلا بالطواف ) ولا نعلم لهما موافقا
من فقهاء الأمصار .
قال أبو بكر : ولما ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم الإحصار يختص
بالمرض ، وقال الله : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) وجب أن يكون اللفظ
أحكام القرآن — صفحة 325
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٥