وعطاء : ( هو إقامتهما إلى آخر ما فيهما لله تعالى ، لأنهما واجبان ) كأنهما تأولا ذلك على
الأمر بفعلهما ، كقوله لو قال ( حجوا واعتمروا ) . وروي عن ابن عمر وطاوس قالا :
( إتمامهما إفرادهما ) . وقال قتادة : ( إتمام العمرة الاعتمار في غير أشهر الحج ) . وروي
عن علقمة في قوله تعالى ( العمرة لله ) قال : ( لا تجاوز بها البيت ) .
وقد اختلف السلف في وجوب العمرة ، فروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم
النخعي والشعبي أنها تطوع . وقال مجاهد في قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قال :
( ما أمرنا به فيهما ) . وقالت عائشة وابن عباس وابن عمر والحسن وابن سيرين : ( هي
واجبة ) وروي نحوه عن مجاهد . وروي عن طاوس عن أبيه قال : ( العمرة واجبة ) .
واحتج من أوجبها بظاهر قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قالوا : واللفظ يحتمل
إتمامهما بعد الدخول فيهما ويحتمل الأمر بابتداء فعلهما ، فالواجب حمله على الأمرين ،
بمنزلة عموم يشتمل على مشتمل فلا يخرج منه شئ إلا بدلالة .
قال أبو بكر : ولا دلالة في الآية على وجوبها ، وذلك لأن أكثر ما فيها الأمر
بإتمامها ، وذلك إنما يقتضي نفي النقصان عنهما إذا فعلت ، لأن ضد التمام هو النقصان
لا البطلان ، ألا ترى أنك تقول للناقص إنه غير تام ولا تقول مثله لما لم يوجد منه شئ ؟
فعلمنا أن الأمر بالإتمام إنما اقتضى نفي النقصان ، ولذلك قال علي وعمر : ( إتمامهما أن
تحرم بهما من دويرة أهلك ) يعني الأبلغ في نفي النقصان الإحرام بهما من دويرة أهلك .
وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان تقديره : أن لا يفعلهما ناقصين . وقوله : ( لا يفعلهما
ناقصين ) لا يدل على الوجوب لجواز إطلاق ذلك على النوافل ، ألا ترى أنك تقول :
( لا تفعل الحج التطوع ولا العمرة التطوع ناقصين ولا صلاة النفل ناقصة ؟ ) فإذا كان الأمر
بالإتمام يقتضي نفي النقصان فلا دلالة فيه إذا على وجوبها . ويدل على صحة ذلك أن
العمرة التطوع والحج النفل مرادان بهذه الآية في النهي عن فعلهما ناقصين ، ولم يدل
ذلك على وجوبهما في الأصل . وأيضا فإن الأظهر من لفظ الإتمام إنما يطلق بعد الدخول
فيه ، قال الله عز وجل : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود
من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فأطلق عليه لفظ الإتمام بعد الدخول ، قال النبي
صلى الله عليه وسلم : ( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) فأطلق لفظ الإتمام عليها بعد الدخول فيها .
ويدل على أن المراد إيجاب إتمامهما بعد الدخول فيهما ، أن الحج والعمرة نافلتين
يلزمه إتمامهما بعد الدخول فيهما بالآية ، فكان بمنزلة قوله : ( أتموهما بعد الدخول
فيهما ) فغير جائز إذا ثبت أن المراد لزوم الإتمام بعد الدخول حمله على الابتداء لتضاد
المعنيين ، ألا ترى أنه إذا أراد به الإلزام بالدخول انتفى إن يريد به الإلزام قبل الدخول ؟
أحكام القرآن — صفحة 320
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٠