ودخل الرشيد على ولده المأمون و هو ينظر في كتاب ، فقال له : ما هذا ؟ فقال : كتابٌ يشحذ الفكرة ، ويحسن العشرة ، فقال الرشيد : الحمد للّه الذي رزقني من يرى به عين قلبه أكثر ممّا يرى به عين جسمه .
وقيل لبعض العلماء : ما بلغ من سرورك بكتبك ؟ فقال :
هي إن خلوت لذّتي ، وإن اهتممت سلوتي ، وإن قيل : زَهر البستان ، ونور الجنان يجلوان الأبصار ويمتّعان بحسنهما الألحاظ والأنظار ، فإنّي أقول : إنّ الكتب رياضٌ ، وكلّ كتابٍ بستانٌ يجلو العقل ، ويشحذ الذّهن ، ويحيي القلب ، ويقوّي القريحة ، ويعين الطبيعة ، ويبعث نتائج العقول ، ويستثير دفائن القلوب ، ويمتّع في الخلوة ، ويؤنس في الوحشة ، ويضحك بنوادره ، ويسرّ بغرائبه ، ويفيد ولا يستفيد ، ويعطي ولا يأخذ وتصل لذّته إلى القلب ، من غير سآمةٍ تدرك قارئه ، ولا مشقّةٍ تعرض له .
وقال بزرجمهر : « الكتب أصداف الحِكم تنشقّ عن جواهر الكلم » .
وقال ابن المعتزّ : « الكتاب والج الأبواب ، جريءٌ على الحجّاب ، مفهِم لا يفهم ، ، وناطقٌ لا يتكلّم ، به يشخص المشتاق ، إذا أقعده الفراق » .
وقال عبد اللّه بن العزيز : « لم أرَ أوعظ من الكتاب ، وأسلم من الانفراد » .
ونظر المأمون إلى بعض أولاده - وفي يده كتاب - فسأله ما هذا ؟ فأجاب قائلًا : كتابٌ يذكي الفطنة ، ويشحذ الفكرة ، ويؤنس الوحشة ، ويسلّي الغمّة ، فقال المأمون : الحمد للّه الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه ، أكثر ممّا ينظر إليه بحسَبه .
وممّا قيل في وصف الكتب ونفعها قول ابن المقفّع : « كلّ مصحوبٍ ذو هفوات إلّا الكتاب فإنّه مأمونٌ من العثرات » .
وقال أبو محمّد الخازن :
فدفتري روضتي ومحبرتي * غدير علمي وصارمي قلمى
وراحتي في قرار صومعتي * تعلمني كيف موقع القسم
وقال السريّ الرّفاء :