علمه بجانب محبّته لعليٍّ وشيعته ، وكان باحثاً وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة ، ولا يلام المرء حين يحبّ فيسرف في حبّه ، أو حين يهوى فيشتدّ به الهوى ، و لكن اللّوم يقع حين تميل دواعي الهوى بالمرء عن صحيح وجه الحقّ ، و ما كان استاذنا الجليل في شيءٍ من هذا ، و إنّما كان باحثاً وراء الحقيقة ، كاشفاً النِّقاب عن وجهها ، معيناً نفسه بالوصول إليها سافرة الوجه ، واضحة المعالِم .
اقتطفنا هذه الكلمة من نصّ الكتاب الذي أرسله الاستاذ محمّد عبد الغني إلى شيخنا الأميني من القاهرة ، بتاريخ 7 ربيع الأوّل سنة 1372 ه - ، و قد نشر بنصّه الكامل في مقدّمة الجزء الأوّل من كتاب الغدير فراجعه .
و بعد ، فإنّ كتاب الغدير الذي سيبلغ عشرين جزءً أو أكثر ، يحكي موضوعه باختصار إثبات وصاية وخلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام من النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ، و نقل النصوص لغدير خمّ وسائر النصوص من طرق علماء السُّنة ، آخذاً لها من كتبهم الصحيحة - عندهم - وتواريخ القرون الإسلاميّة المخطوطة والمطبوعة ، وإثبات أغراض بعضهم في نقل الأحاديث والتواريخ ممّا لا ارتياب في أنّها تعصبيّة في المذهب ، فصحّفوا وحرّفوا وبدّلوا ما شاء لهم الهوى وشاء لهم التعصّب الأعمى ، و
« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ »
« 1 » .
هذا الكتاب بديعٌ في حسن تنظيمه وتنسيقه وإنشائه ، وكثرة منابعه و نقل مداركه ، فإنّ مؤلّفه قد طالع أكثر من عشرة آلاف مجلّداً من الكتب المختلفة للفريقين و نقل عنها - كما حدّث بذلك نفسه طاب ثراه - وحلّلها تحليلًا دقيقاً ، وكشف ما فيها من الحقائق الرّاهنة ، وأبانَ ما فيها من المخالفات التي دَعَتهم إليها العصبيّات المذهبيّة ، فقد نقلوا أخباراً ورواياتٍ كثيرة عن مجاهيل الهويّة أو المتعصّبين ما شاءت لهم الأهواء .
كتاب الغدير بلغ الغاية في فصاحة بيانه ، وتنظيم جمله ، وانسجام ألفاظه ، ما يعسر على غيره من المؤلّفين أن يضاهيه أو يؤلّف على منواله ، و لم يسبقه أحدٌ في هذا الموضوع البديع ، و قد بلغ من شهرته في الممالك الإسلاميّة ، وسائر المناطق الاخرى ما لم نعهد لغيره من المؤلّفات
هامش
( 1 ) . الفجر 14 : 89 .