تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
وما خصوصيّة عهد عمر في قبول الرواية ورفضها ؟ ألأنّ الحقائق تمحّصت فيه ؟ ومن ذا الذي محّصها ؟ أم لأنّ التمحيص أفرد فيه الصحيح من السقيم ؟ ومن ذا الذي فعل ذلك ؟ أم أنّ يد الأمانة قبضت على السنّة عندئذ ، وعضّتها بالنواجذ حرصا عليها ، فلم يبق إلّا لبابها المحض ؟ فمتى وقعت تلكم البدع والتافهات ؟ ومتى بدّلت السنن ؟ ومتى غيّرت الأحكام ؟ راجع الجزء السادس وهلمّ جرّا . ولعلّ قول معاوية هذا في سنّة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كاف في قلّة اعتداده بها ، أو أنّه كان ينظر إليها نظر مستخفّ بها ، وكان يستهين بقائلها مرّة ، ويضرط لها إذا سمعها مرّة أخرى ، وينال من رواتها بقوارص طورا ، وينهى راويها عن الرواية بلسان بذيء بكلّ شدّة وحدّة ، إلى أشياء من مظاهر الهزء والسخريّة « 1 » فما ظنّك بمن هذا شأنه مع السنّة الشريفة ؟ فهل تذعن له أنّه يعبأبها ويحتجّ بها في موارد الحاجة ، ويأخذها مدركا عند عمله ؟ أو ينبذها وراء ظهره كما فعل ذلك في موارده ومصادره كلّها ؟ وإنّ حداثة عهد معاوية بالإسلام وأخذه بالروايات بعد كلّ ما قدّمناه ، وما كان يلهيه عن الإصاخة إليها طيلة أيّامه من كتابة وإمارة وملوكيّة ، وإنّ حياته في دور الإسلام كلّها كانت مستوعبة بضروب السياسة وإدارة شؤون الملك والنزاع والمخاصمة دونه ، فمتى كان يتفرّغ لأخذ الروايات وتعلّم السنن ؟ ثم من ذا الذي أخذ عنه السنّة ؟ والصحابة جلّهم في منتأى عن مباءته - الشام - ، ولم يكن معه إلّا طليق أعرابيّ ، أو يمانيّ مستدرج ، وهو يسيء ظنّه بجملة الصحابة المدنيّين ، حملة الأحكام ونقلة الأحاديث النبويّة ، ويقول بملء فمه : إنّما كان الحجازيّون هم الحكّام على الناس والحقّ فيهم ، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام « 2 » . وعلى أثر ظنّه السيّئ وقوله الآثم كان يمنع هو وأمراؤه عن الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما يظهر ممّا
هامش
( 1 ) راجع تفصيل كلّ هذه فيما أسلفناه في هذا الجزء : ص 281 - 284 . ( المؤلّف ) ( 2 ) راجع صفحة 319 من هذا الجزء . ( المؤلّف )