واستقرار الخلافة لمن تقمّصها ، ولذلك لم ينبس أحد منهم يوم السقيفة ولا بعده بشيء من ذلك على ما احتدم هنالك من الحوار والتنازع والحجاج ، وليس ببدع أن لا يعرفها أحد قبل ولادتها ؛ وإنّما العجب من أنّ البحّاثة وعلماء الكلام من بعد ذلك التاريخ - إلّا الشذّاذ منهم - لم يأبهوا بها في إثبات أصل الخلافة وإن لم يألوا جهدا في التصعيد والتصويب جهد مقدرتهم ، وما ذلك إلّا لأنّهم لم يعرفوا تلكم المواليد المزوّرة ، نعم يوجد من المؤلّفين من يذكرها في مقام سرد الفضائل تمويها على الحقّ .
وهناك أحاديث جمّة صحيحة - عند القوم - تضادّها وتكذّبها ، مثل :
1 - ما صحّ عن أبي بكر أنّه قال في مرضه الذي توفّي فيه : وددت أنّي سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب « 1 » ؟
فلو كان أبو بكر سمع النصّ على خلافته من رسول اللّه ، كما هو صريح بعض تلكم المنقولات ، لما كان مجال لتمنّيه هذا إلّا أن يكون قد غلبه الوجع ، أو أنّه كان هجرا من القول كما احتملوه في حديث الكتف والدواة .
2 - وما أخرجه مالك عن عائشة قالت : لمّا احتضر أبو بكر رضى اللّه عنه دعا عمر فقال : إنّي مستخلفك على أصحاب رسول اللّه يا عمر ، وكتب إلى أمراء الأجناد :
ولّيت عليكم عمر ، ولم آل نفسي ولا المسلمين إلّا خيرا « 2 » .
فإن كان هناك نصّ على خلافة عمر ، فما معنى نسبة أبي بكر الاستخلاف والتولية إلى نفسه ؟ »
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 3 / 431 ، العقد الفريد : 4 / 93 . والكلام حول هذا الحديث وصحّته تجده مشروحا في الجزء السابع من هذه الموسوعة .
( 2 ) تيسير الوصول للحافظ ابن الديبع : 2 / 57 .